هل نضحي بالدستور من أجل حضور المجلس الأعلى للحسابات؟

هل نضحي بالدستور من أجل حضور المجلس الأعلى للحسابات؟

  • عبداللطيف وهبي
  • كتب يوم الخميس 30 أكتوبر 2014 م على الساعة 11:28

نشرت الصحافة الوطنية مجموعة من التصريحات لبعض نواب الأغلبية تهم الدعوة لانعقاد جلسة مشتركة بين لجنتين برلمانيتين بحضور السيد رئيس المجلس الأعلى للحسابات حول موضوع رؤية المجلس الأعلى للحسابات لوضعية صناديق التقاعد، وحقيقة الأمر أن هذه الجلسة أثارت نقاشا دستوريا ليس في طبيعة موضوعها أو جدول أعمالها، ولكن في الشكليات التي يتطلبها عقد مثل هذه الجلسات.

وكان الاتجاه العام يعتقد أن هذه الجلسة تنعقد وفقا للفصل 148 من الدستور، غير أن الموضوع أكثر تعقيدا، لأن المجلس الأعلى للحسابات مؤسسة دستورية مستقلة عن البرلمان، وبالتالي لا يمكن له أن يقفز على الحواجز الدستورية ليقرر مواضيع بشكل ذاتي على إثرها يكون له الحق في تقديمها أمام البرلمان أو لجانه، و هذا يطرح سؤالا هاما كالآتي: هل من حق أي لجنة من لجان البرلمان أن تستدعي السيد رئيس المجلس الأعلى للحسابات في إطار الحضور وطبعا ليس المثول لتقديم وجهة نظره حول موضوع ما، لم يتم إنجازه بناء على طلب رسمي من مجلس النواب و بكيفية مسبقة؟.

إن الإشكال القانوني يكمن في أن الفصل 148 من الدستور يعطي للبرلمان الحق في أن يستشير المجلس الأعلى للحسابات ويوجه إليه أسئلة، ومن ثم تبدأ العلاقة بناء على طلب صريح صادر من المؤسسة البرلمانية في موضوع معين من ضمن الاختصاصات التي منحها الدستور للمجلس الأعلى للحسابات في علاقته مع البرلمان.

و حاول النظام الداخلي لمجلس النواب أن يسير في نفس الاتجاه، غير أن المجلس الدستوري في اجتهاده عند فحصه دستوريا للمادة 55 من النظام الداخلي لمجلس النواب في قراره رقم 924/2013 نص على ما يلي: « إعمال النظام الداخلي للفقرة الأولى من الفصل 148 من الدستور يجوز لهذه الأخيرة  » أي اللجنة البرلمانية » دعوة المجلس الأعلى للحسابات لتقديم مزيد من الإيضاحات المتعلقة بالأسئلة والاستشارات المرتبطة بوظائف البرلمان في التشريع والمراقبة والتقييم المتعلقة بالمالية العامة »، وفي نفس القرار وبشأن نفس المادة في بندها التاسع نص أنه  » يحق للبرلمان أن يستعين بالمجلس الأعلى للحسابات الذي يجيب عن الأسئلة والاستشارات المرتبطة بوظائف البرلمان في التشريع والمراقبة والتقييم المتعلقة بالمالية العامة وفقا لأحكام الفصل 148 من الدستور »، ويلاحظ من هذا الاجتهاد أن المجلس الدستوري ربط دعوة المجلس الأعلى للحسابات لاجتماع اللجنة بمسألة تقديم إيضاحات تهم الاستشارات المرتبطة بوظائف البرلمان، وكذلك بمبدأ الإجابة، أي الجواب على سؤال موجه له إما بشكل مباشر أو على شكل استشارة.

ويبدو أن الحضور الذي كان مقررا للسيد رئيس المجلس الأعلى للحسابات إلى البرلمان لم يكن وفقا لما نصت عليه الفقرة الأولى من الفصل 148 من الدستور و لا حتى مسايرا لتوجهات المجلس الدستوري، لأن الموضوع الذي كان مقررا أن يحضر بسببه إلى البرلمان يهم موضوعا تم إنجازه من طرف المجلس الأعلى للحسابات بشكل تلقائي وذاتي ولم يكن مطلقا موضوع طلب من البرلمان، أي لم يتم وفق مسطرة الطلب أو السؤال، والفرق بين هذا وذاك هو أن حضور رئيس المجلس الأعلى للحسابات مرتبط بالطلب، أي « شرعية الحضور مرتبطة بطلب استشارة » أو للجواب على سؤال في موضوع داخل الاختصاص، بحيث أن هذا التصرف لابد أن يلبي حاجة البرلمان في طلبه الاستشاري المستند على احترام استقلاليته واستقلالية منهجية عمله، وطبيعة المواضيع التي يناقشها والزاوية التي يناقش منها، أما المجلس الأعلى للحسابات فعندما يهيئ تقريرا في موضوع يعتقد أن له أهمية خاصة بشكل تلقائي و انفرادي، فله حق إحالته على الرأي العام من خلال نشره، ولكن لا يمكن أن يكون موضوع اجتماع لجنة برلمانية، لأن موضوع اجتماع اللجنة يصبح قرارا صادرا من خارج البرلمان وفي موضوع قد يصبح مصدر توجيه وتأثير على القرار البرلماني خاصة وأن المجلس الأعلى للحسابات لم يطلب منه أحد القيام بذلك، بل إن إقحام دراسة تلقائية لمؤسسته في العمل البرلماني قد يمس استقلالية البرلمان عن هذه المؤسسة، لأن هذا التصرف قد يوجه النقاش البرلماني ويؤثر على القرار السياسي والتشريعي لممثلي الأمة كما أسلفنا، بينما الدستور يحث على مفهوم الاستقلالية ليس في المكونات الإدارية للمؤسسة فقط ولكن في اختيار المنهج التشريعي والمنهج السياسي لنواب الأمة بعيدا عن أي تأثير لمؤسسات أخرى كمؤسسات الحكامة باستثناء تأثير الرأي الاستشاري المطلوب من المؤسسة البرلمانية بشكل دستوري.

إن هذه الجزئيات التي جعلت البعض يتفوه باتهامات في اتجاه خلق اتهامات ممزوجة بوهم الدولة العميقة أو الموازية، يغيب عنها الإعمال النزيه لمفهوم استقلالية المؤسسات الدستورية فيما بينها.

وأخيرا يبقى سؤال بسيط يطرح نفسه سياسيا وليس قانونيا، هل يجوز للبرلمان أن يستضيف مؤسسة قضائية قامت بدراسة ما وبشكل تلقائي في موضوع التقاعد في الوقت الذي قام فيه السيد رئيس الحكومة بتقديم طلب رأي استشاري رسمي حول نفس الموضوع لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي وهو طلب ثم في إطار تعاقد دستوري وفقا لمقتضيات الفصل 152 من الدستور، أليس ذلك تشويش على الاختصاص الدستوري لرئيس الحكومة؟ أو ليس هذا تشويش على مؤسسة للحكامة تقوم بمهمة دستورية وفقا لأحكامه؟ ألم يكن تمسك الأغلبية باجتماعها هذا حول صندوق التقاعد الذي هو موضوع دراسة داخل المجلس الاقتصادي والاجتماعي هو تشويش من الأغلبية على الحكومة التي هي جزء منها؟ و لو قامت المعارضة بذلك لاتهمت الدولة العميقة والموازية بمحاولة التشويش.
إن وظائف المؤسسات الدستورية تتم وفق مساطر دستورية محددة ودقيقة، لأن الدستور فن إدارة منسجمة للمكونات السياسية للدولة وليس أكلة سريعة في مواجهة كل حدث نقابي أو سياسي.

وأخيرا هل نضحي بالدستور من أجل حضور المجلس الأعلى للحسابات ؟

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة