كم نحن بحاجة لك اليوم يا إدريس بنزكري | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

كم نحن بحاجة لك اليوم يا إدريس بنزكري

  • عبد اللطيف وهبي
  • كتب يوم الأربعاء 05 نوفمبر 2014 م على الساعة 17:08

كان من الضروري أن نتذكر أنا وصديقي الفرنسي عند زيارته لي صديقنا المشترك المرحوم إدريس بنزكري، تحدثنا عنه طويلا، وقال أشياء وأشياء، كان يبتسم بحزن ويقول لي: كيف يمكن للقدر أن يحرم المغرب من شخصية كبيرة من طينة هذا النوع؟.

كان إدريس بنزكري يعيش بين المرض وآلامه، وبين ضغط المتربصين به من أغبياء يؤمنون بالصراع كما أنه الموضوع الذي خلق من أجله الإنسان، أما ما يهمني هو أني افتقدت صديقا كانت بيننا لحظات تحمل أسرارا ونقاشات، ولكنه كان يتفوق على الجميع، لكونه إنسان بما للكلمة من معنى، حمل عذاباته ومآسيه في صمت، أفنى ربيع عمره في زنازن الجلاد، ليحولها إلى فانوس يضيء به المستقبل، حيث ظل يقول لي « مستقبل هذا البلد في تصالحه مع ذاته ».

قلت له: أليس الحمل بثقيل؟

قال: لست وحدي.

فمات ولم يقل مع من كان يحمل حمله، سيظل إدريس بنزكري خالدا عاشقا لعزلته، قويا وعنيدا في قرارة نفسه، حتى حينما يبتسم كان يحمل ابتسامته بإنهاك زمني غريب.

كلمني يوما: كيف أنت؟ هل قرأت التقرير؟.

أجبته: قرأته وأعرف ما تقصد؟.

رد علي بالقول: أنا لا أقصد شيء، لماذا تخاطبني كمتهم، لن تظل محاميا طول عمرك، ثم أطلق لضحكته عنانها، اتفقنا على أن نلتقي في المساء بمكتبي، كان يحب أن يأتي إلى مكتبه فريدا بعد غروب الشمس، فإدريس رغم كثرة المحيطين به كان يميل إلى العزلة، جلسنا وتحدثنا طويلا عن ظلم الأصدقاء وتفاهة الأعداء، كان يتعامل مع الأشياء رغم حدتها بسماحة راهب حقوقي.

قلت له متسائلا: أنا لا تهمني تفاصيل تقريرك ولكن ما يهمني هو كيف ستتحول هذه التجربة بتقريرها إلى حاجز نفسي وأخلاقي وقانوني يضمن عدم عودة الدولة إلى تصرفاتها السابقة؟.

أجابني متسائلا: الدولة ككل؟ كعادته كان دقيقا في التعامل مع اللغة.

أجبته: أقصد النظام بشكل خاص؟.

رد علي قائلا: سأقول لك سرا يعلمه الجميع: لولا دعم الملك شخصيا في الكثير من التفاصيل لما استطعنا أن نقوم بكل هذا العمل.

أجبته: هذا رائع، ولكن كيف نضمن أن أجيالنا المقبلة لن تنسى كل هذا الماضي لكي لا تعود إليه؟ لأنني أعتقد أن هذا التقرير يجب أن يكون علامة حتى لا ننسى ولكن لكي نتجاوز، فالتصالح لا يعني أن ننسى الماضي، ولكن يعني أن نستحضر الماضي كلما كنا أمام موقف ما في المستقبل.

رد علي مبتسما: أنا أتفق معك ولكن يجب أن نتجاوز، أن نتصالح، ولا يمكن أن نحمل الأجيال المقبلة أخطاء مرحلتنا.

أجبته: بل جرائم مرحلتنا؟.

رد علي مبتسما كعادته: إذا استعملنا لغة المحامين كانت كذلك؟.

قلت: المسألة ليست لغة القانون، فالجلاد حالة قاسية وإنسانية للضحية المباشر وفي نفس الوقت هولامية للضحية العام أي للتاريخ غير المرئي، وهناك جلاد ينتظر الفرصة وراء كل انعراج سياسي لينقض من جديد.

قال: لا تفلسف الأمور كثيرا ودعنا في الوقائع، فهي الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن إلغائها، أما المسؤولية الشخصية فإنها تضيع بين الأوامر والتعليمات وحتى في بعض الاجتهادات الذاتية للجلاد.

كان الرجل مقتنعا أن هذه التجربة ستدفع الأمور إلى الأمام، لم يعش إلى سنة 2011 ليرى أن كثيرا منها أصبح دستوريا، ولكن ما قيمة الدستور إذا لم نمنحه تلك الروح الحقوقية وذلك الشعور بالمسؤولية؟.

وحين طلب مني صديقا أن أعيره تقرير الإنصاف والمصالحة رفضت بشدة قائلا، هذا التقرير هو الشيء الوحيد الذي يربطني اليوم بصديق لم أدعي بعد موته أنه كان صديقا، ولكنه كان كذلك.

كان إدريس بنزكري يحمل مشروعا نبيلا، أراد أن يغتال الجلاد فاغتالوه بضغطهم على الأقل جسديا أما روحيا فإنهم عجزوا عن ذلك، كان دائما يسأل نفسه هل سأنجح في مهمتي؟ لم يكن السؤال غبيا ولكن كان مدركا أن فشله لا يعني سوى عودة الجلاد بكامل قواه، حرك فينا شعور المسؤولية وحرك في الدولة شعور بإدانة الذات، ولكن أروع ما فعله إدريس هو أنه دخل المشروع إدريسا وخرج منه إدريسا كما كان، فالشيء الوحيد الذي تغير فيه هو أنه أصبح يحمل حزنا أكبر مما كان يحمل في السابق.

رحل صديقنا وبقيت وحيدا بين صفحات التقرير أقلبها بين يدي، ثارة أجد فيها بصمات حسن النية، وثارة أخرى أجد فيها أزمة ضمير الجميع، ضحى بزهرة شبابه من أجل أفكار آمن بها، وضحى بربيع عمره من أجل مشروع نبيل، لكن البعض حوله إلى مطية، والبعض الآخر نسيه أو تناساه، والباقون اغتنوا به، أما إدريس فكان أنبل شخص عرفته في التاريخ، مسح دموع الضحايا بآلام مرضه دون أن يشتكي ولا أن يطلب ولا أن يتحاسب، كان أكبر من التفاصيل ولكنها نفسها دمرته، كان أنبل من المصالحة لأنه كرس مكوناتها، وكان أجدى من الإنصاف لأنه أعطاه مدلولا إنسانيا وأخلاقيا، وسيبقى السؤال، ماذا تبقى من إدريس بنزكري فينا؟ ولماذا نقتله في كل يوم بشعارات أو بتوظيفات مخزية لتجربة رائدة؟ هل كان من قدره أن يموت حتى لا يتصالح بعد ذلك بعض من المغاربة مع الأخلاق؟.

نعم اليوم ليس مثل الأمس، ورغم ذلك فكم نحن بحاجة إليه اليوم كما الأمس حتى لا ننسى الماضي؟.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة