نيران الفتنة الطائفية تزحف نحو العمق السعودي

نيران الفتنة الطائفية تزحف نحو العمق السعودي

  • عبد الباري عطوان
  • كتب يوم الجمعة 07 نوفمبر 2014 م على الساعة 9:08
معلومات عن الصورة : عبد الباري عطوان

عملت السلطات السعودية جاهدة طوال الاعوام الماضية على تحصين جبهتها الداخلية من اعمال العنف الطائفي، متبعة اسلوبين اساسيين في هذا الخصوص، الاول تصدير الازمة الطائفية وذيولها الى الخارج، وسورية والعراق بالذات، من خلال ضخ مليارات الدولارات في تمويل جماعات اسلامية متشددة وتسليحها تحت عنوان اسقاط النظام السوري “العلوي الكافر” ومحاربة الحكومة العراقية الطائفية، والثاني اتباع سياسة القبضة الحديدية ضد خلايا تنظيم “القاعدة” و”الدولة الاسلامية” النائمة منها والنشطة، ومنع اي اعمال تمرد في المناطق الشيعية في منطقة الاحساء حيث تشكل الاغلبية في بعض مدنها وقراها وخاصة مدينة القطيف.

هذا التوجه بدأ يعطي ثمارا عكسية، فقد نجحت “الدولة الاسلامية” في اختراق العمق السعودي واقامة “امارة” لها هياكل تنظيمية داخل المملكة تضم اكثر من 75 شخصا، وكانت تخطط لحملة اغتيالات لكبار المسؤولين في الدولة، الامر الذي كان بمثابة جرس انذار للقيادة السعودية التي ادركت ان كل اجراءاتها الوقائية تقريبا، وعلى رأسها سياسة القبضة الحديدية ذات اثر محدود لان الخطر اكبر بكثير مما كانت تعتقد.

حالة “الفزع″ التي رأينا ارهاصاتها في اليومين الماضيين كرد فعل على الهجوم المسلح الذي شنه ثلاثة ملثمين على حسينية شيعية في منطقة الاحساء كان روادها يحيون ذكرى “عاشوراء” واسفر عن مقتل خمسة اشخاص واصابة عشرة آخرين، انعكست في “مسارعة” العلماء الرسميين (هيئة كبار العلماء) وغير الرسميين (سلمان العودة، عائض القرني، وعادل الكلباني) على ادانة هذا الهجوم، والتحذير من اخطاره، والفتنة الطائفية التي بدأت تطل برأسها بقوة في البلاد، والتأكيد على حتمية الوحدة الوطنية.

***

العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز ادرك حجم المخاطر التي تواجهها البلاد من قبل الجماعات الجهادية الاسلامية، وتنبه الى الاضرار التي يمكن ان تنجم عنها على استقرار بلاده وامنها اذا نجحت في نقل فكرها الى المملكة، واصدر قوانين تجرم “الجهاد” خارج المملكة، وتعاقب كل سعودي يقاتل في سورية او العراق او غيرها بعقوبة سجن تصل الى عشرين عاما، وفرض قيودا شديدة على وسائل التواصل الاجتماعي، وعقوبات اشد لمن يستخدمها للمطالبة بالاصلاحات السياسية، او يحرض ضد الحكم.

هذه “الصحوة” على اهميتها جاءت متأخرة بعض الشيء، لان الآلة الاعلامية السعودية الجبارة، والمتمثلة في قنوات فضائية “اسلامية” غذت الفتنة الطائفية، والتشدد الديني في اقوى صوره، عندما ركزت الهجوم الشرس على الشيعة وتكفيرهم او معظم فرقهم، وتحريض الشباب العربي والسعودي بالذات على الجهاد في سورية والعراق لاسقاط الانظمة “الكافرة” فيهما، ووفرت هذه القنوات التي تناسلت بسرعة غير عادية المنابر لدعاة متشددين وطائفيين ليصولوا ويجولوا دون حسيب، والتهجم بالسباب والشتائم البذيئة في بعض الاحيان ضد كل من لا يسلم بوجهة نظرهم وليس مخالفتهم الرأي فقط.

بعد ثلاث سنوات ادركت السلطات السعودية خطورة هذه القنوات على امنها واستقرارها وبثها للفتنة الطائفية، واصدر وزير الاعلام السعودي عبد العزيز خوجة قرارا بإغلاق مكتب قناة “وصال” الاسلامية في المملكة لانها تهاجم الشيعة، وقال في بيان اصدره “ان وزارته لن تسكت على اي وسيلة اعلامية مقروءة او مسموعة او مرئية او رقيمة تحاول النيل من وحدة الوطن وامنه واستقراره”.

اللافت ان الخطوة جاءت بعد يوم واحد من الهجوم على حسينية الاحساء، ويظل السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن اسباب صمت وزارة الاعلام، والدولة السعودية، وسكوتها على هذه المحطة طوال السنوات الثلاث الماضية ما دامت “تحاول النيل من وحدة الوطن وامنه واستقراره”.

الدكتور خوجة قال ان هذه المحطة ليست سعودية، وهذه مغالطة كبيرة وغير مقنعة، لان جميع برامجها تبث من مكتبها في المملكة، وتمول من خزينة الدولة، و”نجومها” يقيمون في المملكة، واصبحوا مصدر تأثير كبير في الشباب السعودي ويتابعهم وصفحاتهم وحساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي الملايين.

وزير الاعلام السعودي ليس صانع قرار، وانما اداة تنفيذية، يتم املاء القرارات عليه “من فوق” ولذلك استغربنا اعفاءه من منصبه “بناء على طلبه” لان الرجل لم يرتكب اي خطأ، ووجود هذه القناة او تلك امر يتعلق بالسياسة السعودية وتوجهاتها، ونعتقد انه كان “كبش فداء” يدفع ثمن “اخطاء غيره” وسياسات لا نعتقد انه كان مقتنعا بها.

السلطات السعودية قالت في بيان على لسان اللواء منصور التركي المتحدث الامني بإسم وزارة الداخلية ان “الخلية” التي هاجمت الحسينية الشيعية تنتمي الى تنظيم “القاعدة” بعد اقل من يوم واحد من الهجوم، ولا نعرف كيف توصلت الى هذه النتيجة بهذه السرعة، ولكن حتى لو كان هؤلاء المهاجمين من تنظيم “القاعدة” فإن هذا امر يدعو الى القلق، خاصة ان الانطباع السائد لدى المواطن السعودي، وبسبب البيانات الرسمية، انه تم القضاء على هذا التنظيم وانصاره قضاء مبرما من خلال الحملات الامنية المكثفة وسياسة القبضة الحديدية.

***

ما يميز هذا الهجوم عن غيره من هجمات تنظيم “القاعدة” السابقة انه استهدف ابناء الطائفة الشيعية هذه المرة وليس قوات الامن او المقيمين الغربيين مثلما كان عليه الحال في مرات سابقة، وآخرها الهجوم على موظفين امريكيين في شركة امنية تدرب عناصر من الحرس الوطني السعودي، واذا تبين ان المنفذيين يمثلون خلايا داخلية، اي لم يأتوا من الخارج، فإن خطورتهم ستكون اكبر، لان هذا يعني ان تنظيم “القاعدة” او ربما “الدولة الاسلامية” قد وصلوا باختراقهم الامني الى العمق السعودي، ويريدون اشعال فتيل “فتنة طائفية” لا تتحملها الممكلة المحاطة حاليا بأخطار الوضع اليمني المتفجر، حيث الحوثيين و”القاعدة” في الجنوب (اليمن) و”الدولة الاسلامية” في الشمال (العراق وسورية).

حذرنا مرارا، وفي هذه الصحيفة من ان النيران الملتهبة في سورية والعراق، ستصل حتما الى طرف الثوب السعودي، ويبدو ان هذا التحذير كان في محله، والسؤال الاهم هو عما اذا كانت السلطات السعودية تملك اجهزة اطفاء الحرائق القادرة على اطفاء هذا الحريق قبل ان يلتهم الثوب كليا او جزئيا.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة