رسائل تونسية للشعوب العربية

رسائل تونسية للشعوب العربية

  • سعيد الكحل
  • كتب يوم الثلاثاء 11 نوفمبر 2014 م على الساعة 10:31
معلومات عن الصورة : سعيد الكحل

تمثل التجربة السياسية التونسية المنبثقة عن ثورة الياسمين مختبرا حقيقيا لشعوب المنطقة العربية ، خاصة تلك التي عرفت ما بات يسمى بثورة الربيع العربي . فالشعب التونسي الذي فجر ثورة الياسمين ضد الاستبداد أثبت جدارته على الانعتاق من الاستبداد في طبعتيه البنعلية والإخوانية .

كانت مدة ثلاث سنوات كافية ليرسم التونسيون مسار تجربتهم السياسية الفتية نحو الديمقراطية مستفيدين من أخطائهم ومعتمدين على قواهم الحية في تجاوز الصعوبات والمعوقات . وبهذا النجاح الذي حققه الشعب التونسي بإرساء أسس الديمقراطية بالوسائل السياسية والمدنية ، يستحق التهنئة الصادقة والاستفادة من الرسائل التي يبعثها للقوى السياسية الداخلية ولتلك التي تراقب التجربة التونسية من خارج الحدود . ويمكن التنويه بالرسائل التالية :

1 ـ الديمقراطية بناء داخلي وليست وصفة مستوردة . لهذا لم يستدع التونسيون خبراء أمميين لصياغة بنود الدستور وفصوله ولا تركوا تفاصيل تبث فيها القوى الأجنبية شياطينها . كان التونسيون واعين بأن وضع الدستور هو المدخل الحقيقي والسليم للبناء الديمقراطي والقاعدة المتينة التي يقام عليها صرح الدولة المدنية التي تسع كل مواطنيها وتضمن لهم حقوقهم السياسية والمدنية بما يلغي أي دور لشيوخ الدين ودهاقنة المقدس في وضع الآليات الديمقراطية التي يحتكم إليها التونسيون . فضمان حرية المعتقد وتجريم التكفير هما حصن الشعب التونسي المكين ضد الاستبداد الديني والسياسي المقيت .

2 ـ التغيير الحقيقي يتطلب وعيا سياسيا مجتمعيا سليما . فالتونسيون أثبتوا أن هدف ثورتهم لم يكن إسقاط النظام ، وإنما إسقاط الاستبداد والقطع مع عوامل وشروط وآليات إعادة إنتاجه . يسهل تجييش فئات الشعب لإسقاط النظام لكن يصعب استنفارها لبناء نظام سياسي أرقى يعبر عن إرادتها السياسية وتطلعاتها إلى الحرية والكرامة ما لم تكن تلك الفئات قد امتلكت وعيا سياسيا حقيقيا يؤهلها لمقاومة كل لصوص الديمقراطية وتجارها أكانوا باسم الدين أو العرق أو المذهب أو المال . لهذا نحج التونسيون في إفشال أي تواطؤ ضد مطلب الديمقراطية ومصلحة الشعب في الكرامة أيا كانت الجهات المتواطئة ، حتى تلك التي شاركت في الثورة وحاولت سرقة مكتسباتها .

3 ـ الاعتماد على القوى السياسية الوطنية وكل فئات الشعب هو الضامن الحقيقي للبناء الديمقراطي . إن الميزة المتوهجة للثورة التونسية أنها انطلقت بإرادة الشعب وأسقطت النظام بأقل الخسائر دون تدخل أجنبي ؛ ثم تجاوزت مخططات الفتنة الثاوية وراء « قانون العزل » ودعاوى الانتقام ، عبر التأسيس لمصالحة وطنية عززت إدارات الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية والمالية بالخبرات والكفاءات التونسية . وتلك كانت نصيحة الراحل نيلسون منديلا لثوار تونس .

4 ـ إفلاس الشعارات الدينية في الاستجابة لانتظارات الشعب وتحقيق مطالبه في الحرية والعيش الكريم . فالشعب التونسي حافظ على وعيه السياسي وهو يمنح الشرعية الديمقراطية لإسلاميي حركة النهضة بهدف الاستجابة لانتظاراته لا أن يجعلوه رهينة لمشروع سياسي تاريخي ثبت إفلاسه منذ قرون . وهكذا تصدى لقيادة حركة النهضة ومخططاتها فأسقط حكومتها الأولى وأتبعها بالثانية لترضخ أمام مطلب التنازل عن الحكم لفائدة حكومة تكنقراط تدبر المرحلة الفاصلة وتشرف على تنظيم الانتخابات التشريعية .

5 ـ إن الشعوب العربية ليست بحاجة لمن يقودها إلى « جنة الفردوس » ولا لجحافل أئمة التطرف وفقهاء الكراهية لخوض الحروب ضد « الشياطين والملاحدة »، بل هي بحاجة إلى خبرات عملية وكفاءات وطنية لإعادة بناء الاقتصاد الوطني وإطلاق دينامية التنمية لمواجهة الفقر والبطالة والتهميش . فالمواطنون أدرى بشؤون دينهم وأحوج ما يكون لمن يدير شؤون دنياهم بالخبرة والتدبير المحكم . لهذا لم ينخدع التونسيون بشعارات النهضة ولا خضعوا لتهديد التنظيمات الإرهابية بتفجير مكاتب التصويت . وها هو الشعب التونسي يعطي الدرس البليغ للشعوب التائهة والمتناحرة أن للدين ربا يحميه ويهدي إليه وللوطن شعبا يبنيه ويحميه ، فلا وصاية على الشعب باسم الدين أو الوطن . لقد أثبت الشعب التونسي ، إذن ، أن من يتخذ الغراب دليلا قاده إلى الجيف ، ومن يتخذ العقل هاديا قاده إلى العلا .

6 ـ إفشال الأجندات الخارجية بفضل تنامي الوعي السياسي وتماسك النسيج المجتمعي الذي صمد في وجه كل مخططات زرع الطائفية والمذهبية وإثارة الفتن على اختلاف ألوانها ومرجعياتها . إذ سعت أطراف عديدة إلى زرع بذور التمذهب والإرهاب وغذتها بالمال والوعود ، لكن يقظة الشعب عصفت بكل مخططات التخريب .

7 ـ إعادة الاعتبار للدور الريادي الذي يمكن أن تلعبه شخصيات وطنية وازنة بتزكية مبادرة الباجي قايد السبسي الجامعة للنخب الوطنية من مختلف الشرائح والمرجعيات .

8 ـ الوفاء للشهداء لا يكون بإقامة النصب ولا حفلات التكريم ، وإنما بإنجاح مشروعهم وتحقيق الأحلام والأهداف التي ناضلوا وضحوا من أجلها . كلهم شهداء الوطن أكانوا سياسيين أو مفكرين أو أمنيين أو جنودا أو باعة متجولين . جميعهم ضحوا من أجل الوطن والكرامة والحرية . وصدق الفنان لطفي بوشناق في التعبير عن إرادة الشعب وحب الوطن بدعواه  » خذوا المناصب والمكاسب لكن خلولي الوطن » . لقد استرجع التونسيون تونس الوطن والشعب والتاريخ والمستقبل فاستحق أن يكون منارة للاهتداء بها .

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة