بؤس بعض من السياسة | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

بؤس بعض من السياسة

  • عبداللطيف وهبي
  • كتب يوم الجمعة 14 نوفمبر 2014 م على الساعة 10:59

أثيرت نقاشات عديدة حول علاقة المجلس الأعلى للحسابات بمجلس النواب وبالبرلمان عموما، خاصة وأن النقاش الذي كان بمناسبة إحالة فريق برلماني من خلال المؤسسة التشريعية على المجلس الأعلى للحسابات طلبا يرمي إلى تدقيق وافتحاص تدبير جامعة محمد الأول بالجهة الشرقية، رغبة من الفريق صاحب الطلب في منح هذا الموضوع دويا إعلاميا لحسابات فهمناها أخيرا « رغم أن النتيجة لا ترقى سياسيا إلى مستوى دستوري من هذا الحجم » علما أن رأينا آنذاك والذي حكمته رغبة أكيدة منا في حسن إعمال مفهوم الدستور كان هو أن هذا الطلب لا يدخل في اختصاص البرلمان في علاقته بالمجلس الأعلى للحسابات، مما يمنع إحالته، لكون الموضوع يهم التدقيق، بينما مهام البرلمان فيما يهم المراقبة »باستثناء ما يسمح به للجان النيابية لتقصي الحقائق »، هو مجال المالية العامة التي يتعين أن تتم من خلال مراقبة عمل الحكومة كما ينص على ذلك الفصل 70 من الدستور،

وأن « لا تمتد إلى مراقبة القطاعات الوزارية والمؤسسات والمقاولات العمومية مباشرة لما في ذلك من إخلال بالفصل 89 من الدستورالذي ينص على أن الإدارة موضوعة تحت تصرف الحكومة، التي تمارس أيضا الإشراف والوصاية على المؤسسات والمقاولات العمومية، مسايرة لاجتهاد القضاء الدستوري الذي نص على، « وحيث إنه، لئن كان يحق للبرلمان أن يستعين بالمجلس الأعلى للحسابات الذي يجيب عن الأسئلة والاستشارات المرتبطة بوظائف البرلمان في التشريع والمراقبة والتقييم المتعلقة بالمالية العامة، وفقا لأحكام الفصل 148 من الدستور، فإنه لا يجوز للبرلمان أن يقوم، من خلال لجنة دائمة، بتدقيق الإنفاق العمومي، إذ أن تدقيق الإنفاق العمومي، بما يتضمنه من التحقق من سلامة العمليات المتعلقة بمداخيل ومصاريف الأجهزة العمومية، يندرج في صلاحيات المجلس الأعلى للحسابات، طبقا لأحكام الفصل 147 من الدستور، لاسيما فقرته الثالثة » قرار المجلس الدستوري رقم 924/13.

غير أن مكتب مجلس النواب أحال الطلب على المجلس الأعلى للحسابات، وجاء جواب المجلس بشكل يثير الكثير من الاستغراب، إذ نص في رسالته على أن المجلس الأعلى للحسابات يقوم أصلا بمراقبة تدبير التكوين الأساسي لدى جميع الجامعات، لتتم مراقبة تدبير ما تبقى من الجامعات للتكوين المستمر والبحث العلمي في برامجه المستقبلية.

والغريب في الأمر أن هذا الجواب جاء إخباريا ومقتضبا ودون أي تعليل قانوني ولا مؤسساتي، مما يثير الكثير من الملاحظات الأساسية وبخاصة على مستوى اختصاصات المجلس المحددة وفقا للدستور عموما، وكذا علاقاته وطبيعة اختصاصاته في علاقته مع مجلس النواب تحديدا.

فعلى مستوى الاختصاص نلاحظ أن جواب المجلس الأعلى للحسابات الموجه إلى البرلمان لم يتطرق مطلقا لمسألة الاختصاص، علما أن هذه المسألة هي التي تضبط العلاقة بين المؤسسات الدستورية، ومن تم يجب وضع السؤال الآتي: هل يختص المجلس الأعلى للحسابات وفقا للعلاقة التي تربطه مع البرلمان استنادا على الفصل 148 من الدستور في التوصل بطلبات في المواضيع التي تدخل ضمن صميم اختصاصاته غير أنها في المقابل لا تدخل في مجال اختصاص البرلمان أصلا؟ ومن تم هل موضوع الطلب يدخل ضمن اختصاصاته في علاقته مع البرلمان؟، وإذا كان الأمر بالنفي فكان على المجلس الأعلى للحسابات أن يرفض مراسلة مجلس النواب بدعوى أن الطلب لا يدخل في مجال علاقاته بالبرلمان،

أما إذا كان يعتبر أن هذه المسطرة تدخل في صميم علاقته بالبرلمان مع ما يطرح ذلك من تساؤلات حول طبيعة استقلالية هذه المؤسسة عن البرلمان فيما يهم مجال اختصاصه الحصري والداتي وهو الموضوع الذي شدد عليه المجلس الدستوري في كل ملاحظاته، فإنه كان يتوجب عليه تنفيذ طلب « افتحاص وتدقيق تدبير جامعة محمد الأول » لكون الطلب موجه إليه من طرف مؤسسة دستورية « البرلمان » لما له من اعتبار دستوري لطلبات السلطة التشريعية لكون قبوله ضمنيا كان أو صريحا يلزمه تنفيذ الطلب، لأنه تم في إطار التعاقد الدستوري ولا يخضع للسلطة الزمنية للمجلس الأعلى للحسابات، غير أن كل هذا لم ترد عليه مراسلة المجلس الأعلى للحسابات بلغة واضحة ومعللة قانونيا، في حين اقتصر في رسالته على قضايا تهم سيره الداخلي.

غير أن هذا الموضوع أخد أبعادا أخرى حين أقدم السيد رئيس الحكومة على إقالة السيد رئيس الجامعة خلال الأسبوع الماضي استنادا على مرسوم، ومن ثم يبدو الطلب المقدم من طرف الفريق البرلماني المعني كان بهدف تعبيد الطريق إلى نتيجة الإقالة، وكنا اعتبرنا آنذاك أن إحالة الملف من مؤسسة دستورية كالبرلمان على مؤسسة دستورية أخرى هي المجلس الأعلى للحسابات هو تصرف سياسي له انعكاس مباشر على الرأي العام، لما له من دلالة رمزية يوحي بوجود قرينة فساد اقتنعت به السلطة التشريعية جعلتها تحيل الموضوع على المجلس الاعلى للحسابات ليتبين فيما بعد أن هناك نية مبيتة وراء الطلب قصد توظيف هذا التصرف الغير الدستوري باحالة الملف من طرف مجلس النواب على المجلس الاعلى، وذلك من أجل إيهام الرأي العام في مرحلة أولى أن هناك اختلالات أصبحت مطروحة على مؤسستين دستوريين هما البرلمان والمجلس الأعلى للحسابات، تمهيدا لمرحلة ثانية تجسدت في الإقالة بواسطة قرار إداري في صيغة مرسوم، ويبقى السؤال، هل من حق فريق أو حزب سياسي من الأغلبية الحكومية أن يوظف مؤسستين دستوريتين هما البرلمان والمجلس الأعلى للحسابات لتعبيد الطريق أمام قرار إداري حكومي سيتم تنفيذه لاحقا؟،

وهنا تكمن في الحقيقة ما سميناه بؤس السياسة لكون السيد رئيس الحكومة بما له من اختصاصات دستورية وسلطات واسعة، له الحق أن يقيل من يريد بصفته رئيسا للجهاز الإداري ولكن بمروءة وجرأة دون تعامل توظيفي بسوء نية مع المجلس الأعلى للحسابات ولا مع البرلمان، لكون السلطة التنفيذية هي المسؤولة أولا وأخيرا عن التعامل الصحي والنزيه مع المؤسسات الادارية المستقلة لجسامة دورها الاستشاري الدستوري و القانوني، اما هدا التصرف فيعبر عن ضحالة الثقافة الديمقراطية وتحقير للمساطر الدستوريةوأجهزتها ، وأما جواب المجلس الأعلى للحسابات فسيظل نوعا من الإهانة للمؤسسة البرلمانية إذا لم أقل ضرب من ضروب التعبير عن غياب الثقافة الدستورية لمؤسسة المفروض فيها أن تقوم بالإعمال الدقيق للدستور مادام دورها هو تدقيق مدى احترام الادارة العمومية للمساطر القانونية، فهل المجلس الأعلى للحسابات يتعامل بنفس الطريقة مع طلبات السلطة التنفيذية خاصة وأن لهذه الأخيرة أجهزتها الداخلية لإجراء افتحاصات لمؤسساتها الإدارية، في حين فيما يخص البرلمان فإن الطلبات التي تحال تلقائيا بدعوى تقنية الاجتماع أصبحت تهين المؤسسة البرلمانية نفسها خاصة وان التجربة أثبتت أن وراء كل طلب خلفيات سياسية لتصفية قضايا تهم السلطة الحكومية وهذه الطريقة مهينة سياسيا للمؤسسات الدستورية ومخالفة للدستور،أما الأغلبية فيكفيها أن تصدر الصحف عناوين كبرى تشير إلى أن هذا الفريق أحال جهاز ما على المجلس الأعلى للحسابات ليصدر الرأي العام أحكاما بالإدانة والفساد كناية على حزب سياسي هو المقصود أصلا، مادام البرلمان بجلال قدره أحال الملف على المجلس الأعلى للحسابات الذي أصبح يثير هلع الموظفين، لتتم إقالة مسؤول كان هو المستهدف كوسيلة، فهنيئا للأغلبية بخلق علاقة بين المؤسسات الدستورية في ظل دستور 2011 لا يمكن أن توصف إلا بكونها علاقة بئيسة.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة