هل تحول الصراع من السياسي إلى الأخلاقي؟ | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

هل تحول الصراع من السياسي إلى الأخلاقي؟

  • عبداللطيف وهبي
  • كتب يوم الثلاثاء 02 ديسمبر 2014 م على الساعة 9:17

أثناء الانتخابات الأخيرة لسنة 2011 كان التلاسن بين السياسيين يهم الوضع الاقتصادي وتصورات هولامية لحل الأزمة بشكل طغى على التحولات السياسية التي يعرفها المغرب آنذاك، لدرجة أن الكثيرين اعتقدوا بأن المرحلة هي مرحلة القفزة الاقتصادية التي ستصنع مرحلة الرفاه للمغاربة، فتناثرت الأرقام وتزايد السياسيون بالمعدلات والإحصائيات حتى أمسينا نسمع بمعدلات نمو خيالية، مقابل ضعف معدلات التضخم وقوة التوظيف وفسح المجال للرأسمال الوطني وغيرها من الأرقام.

فكان الذين يرفعون هذا الشعار يعتقدون أنه بمجرد وصولهم إلى السلطة سيكون عاملا داعما للدفع بالاقتصاد الوطني إلى الأفق الأفضل، وكأن الموضوع حالة نفسية أو أن الأزمة ناتجة عن طبيعية انتماءات من سبقوهم، ناسين أن للاقتصاد عقده وللسياسة انعراجاتها.

ومن أوهامهم أن بوصولهم إلى السلطة سيغيرون المسار وسيقضون على الفساد وسيدخل المغرب مرحلة سينتج فيها أكثر مما سيستهلك، في حين كانت ثقتهم بذاتهم تؤكد ضعف إلمامهم لما هم مقبلون عليه، فالطريق إلى جهنم محفوف بالنوايا الحسنة.

وعندما وصلوا إلى السلطة اكتشفوا عقدها و منعرجاتها واكتشفوا جهلهم بالكثير من الأشياء لتصدر عنهم قرارات وقرارات مضادة، فالمواقف والتصريحات تؤكد أن الصدمة بين ما كانوا يحملونه من أفكار وما صدموا به من الواقع كان عنيفا، وانتقلوا من شعار إدارة الاقتصاد إلى ممارسة إدارة الأزمة، محاولين إخفاء عجزهم على مواجهة الفساد، فعفوا واستسلموا إلى مقولة ليس هناك إمكانيات وهذا كل ما يمكن فعله.

إن قسوة الاقتصاد في صدماته الاجتماعية وارتباطاته الدولية لا يمنح للسياسيين سوى هامشا صغيرا للتصرف فيه وفي مساره، فهناك الالتزامات وهناك الديون وهناك الخضوع للقرارات المالية الدولية، وفي المقابل هناك قلة في الموارد وضعف في إنتاج الثروة وصغر حجم السوق الوطني وتهلهل العملة الوطنية، و يبدو أن أفكارهم كانت كبيرة ولكن تجربتهم كانت أصغر وشتان بين الأمرين، فضاعت وعودهم الانتخابية، فأصبحت أمام الملأ مجرد أوهام لكونها لم تحتك قبل ذلك مع سلطة الإمكانيات ومع ما هو متوفر في الاقتصاد الوطني، ففهم الجميع أن الوضع الاقتصادي هو الذي يفرض و يملي على السياسي نوع المسارات والاختيارات التي يجب عليه سلكها، بحيث لا نملك ثروة وطنية لكي نتصرف فيها وفي المقابل نملك أزمة اقتصادية تجبرنا دائما على السعي نحو الحفاظ على التوازانات.

فحينما عجز الآتون من بعيد إلى السلطة واكتشفوا أنهم لا يملكون العصا السحرية وأن إدارتهم للأزمة لا تختلف عن من سبقوهم، وأن وصولهم للسلطة لم يزد من حجم الثروة الوطنية ولم يرفع من معدل النمو كما لم يخفف من حدة التضخم بل زادت البطالة بلة، فاختفى خطاب الاقتصاد والاستثمار والزيادة الوهمية في الأجور ومعدلات النمو المدغدغة للعواطف والنزوات الاقتصادية، وأمام عجز هذا الخطاب في مواجهة الواقع احتل مكانه خطاب آخر يتسم هذه المرة بالأخلاقيات وبالتنافس فيها مع الآخر، « أنا لا أكذب عليكم… هناك تماسيح… هناك من يحصل على الرشوة… هناك طرد للمفسدين… هناك إقالة لكل من ساء التصرف.. وهناك وهناك » فأصبحنا لا نقرأ لغة الأرقام التي تكذب بذهاء، و أصبحنا نقرأ لغة الأخلاق وحسن السير بدعم من قرارات تمليها ظاهريا جمال الأخلاق، وتحول الصراع من صراع سياسي إلى صراع أخلاقي، بحيث من سيتثبت للمغاربة أنه أكثر أخلاقا من الأخر ومن يملك أحسنها، هو المؤهل ليس لإدارة الدولة فقط بل لإدارة الأزمة كذلك، ففي بلدنا ليس المهم أن نوزع الثروة في أحسن الظروف وبأحسن الوسائل وبوسائل أخلاقية، ولكن أن نوزعها بين الأغنياء حسب قدرتها في الهيمنة على السوق ونوزع مقابل ذلك وبالتساوي الجوع على الفقراء ولما لا بشكل أخلاقي، فنتائج الأزمة ستوزع على المتأزمين ونتائج الثروة ستوزع على أصحابها، ورئيس الحكومة سيفعلها بوجهه الأحمر كما يقول ولن يكذب على الشعب، وسندخل الانتخابات قريبا وستكون لغة الانتخابات هي المبارزة الأخلاقية، فهناك من يخاف الله ولا يفسد، ويتهموا الآخرون بأنهم لا يخشون الله وهم المفسدون، فيختلط الدين بالسياسة وتوظف السياسة سلطة الأخلاق، المهم أن يتأكدوا أنهم سيعودون إلى السلطة فهي مغرية والبقاء فيها للأصلح أخلاقا والحزب الذي استطاع أن يفرض هيمنته الأخلاقية على الرأي العام سيعود إلى سدة السلطة، فلم يعد مطلوبا أن تحل الأزمة بل المطلوب فقط أن يتم سرقة الفتات الذي ينهمر من سماء الجوع، وحينما تختفي السياسة و ينهزم الاقتصاد تصبح لغة الأخلاق هي الممر تحت الأرضي للقيام بأكبر عملية نصب انتخابي ولكن بشكل أخلاقي للعودة إلى السلطة من خلال نتائج انتخابية أنتجتها اتهامات واتهامات مضادة وشعارات محاربة الفساد، فإذا كانوا يعتقدون أنه بإمكانهم أن يتسللوا من خلال بعض الفرقعات الإعلامية، فإنهم يكونوا قد أخلوا بالاحترام اتجاه الآخرين، فمن حق الشعب عليهم أن يدركوا بأن له الحق في أن يكون له حظ يسير من الذكاء لكي لا تنطلي عليه خطابات تبحث عن شرعيتها الأخلاقية.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة