عندما حولت الأمطار الجنوب إلى فاجعة | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

عندما حولت الأمطار الجنوب إلى فاجعة

  • عبد الإله شبل:موفد "فبراير.كوم" إلى كلميم
  • كتب يوم الجمعة 05 ديسمبر 2014 م على الساعة 13:16

عندما حولت الأمطار الجنوب إلى فاجعة

شهادات من عمق كلميم لضحايا واجهوا الموت تحت الماء

رغم تحذيرات وزير الداخلية محمد حصاد، بالبرلمان بتوخي الحذر مع التساقطات المطرية، وبالرغم من كون الأرصاد الجوية أعلنت في نشرة انذارية بأن عواصف رعدية وأمطارا قوية ستجتاح من جديد عددا من الأقاليم بالمملكة، ومنها الأقاليم الجنوبية، أبى طاقم « فبراير.كوم » إلا أن يكون في قلب كلميم وبويزكارن، التي شهدت فاجعة كبرى، تمثلت في مصرع 28 شخصا بحسب الرواية الرسمية.
 »حدث مثل هذا يقتضي أن تبعث مختلف وسائل الإعلام صحفييها إلى عين المكان، ولو توفرنا على امكانيات المؤسسات الكبرى لكُنا هناك مباشرة بعد الواقعة »، تقول الزميلة مرية مكريم مديرة موقع « فبراير.كوم »، في نقاش ثنائي حول الكارثة، لكن بالرغم من ذلك، قررنا وبالإمكانيات المتواضعة، أن نصل إلى المكان الذي تنبعث منه رائحة الموت. المكان الذي حُملت فيه جثت الضحايا في شاحنات نقل للأزبال !
كلما استمرت الحافلة في اختراق الظلام، كنت اتطلع لبزوغ الشمس، كي أكون هناك وسط أبناء المغرب العميق، المغرب الذي كتب لابنائه الموت غرقا في الفيضانات، بالمدينة التي أطلق عليها بوابة الصحراء.
على طول الطريق الرابطة بين بويزكارن وكلميم، لا زالت علامات الأمطار ظاهرة للعيان، وبعض المناطق تظهر عليها علامات انجرافها، رغم انها تعود لآخر تساقطات، فهي تذكر عابريها وحتى لمن يزورها للوهلة الأولى بالفاجعة.
وأخيرا في كلميم..
كان الحزن يخيم على محطة سيارات الأجرة. كيف لا، والسائقون فقدوا زميلا لهم وكادوا أن يفقدوا آخر لولا الالطاف الإلهية وتدخل المواطنين.
لم يتوانى أول سائق أجرة كبيرة في كلميم وهو يتحدث لـ »فبراير » عن المسؤول في الفاجعة، في اتهام السلطة بمختلف تلاوينها، من والي الجهة، ثم الدرك الملكي وكذا رجال الوقاية المدنية.

خلال زيارتنا لمكان الفاجعة
دعونا نعيد صياغة الحكاية من بدايتها..

كان لا بد من البحث عن ناجين، فقط عبر لسانهم سنعرف التفاصيل، في الوقت الذي تتضارب فيه الروايات، بين السلطة التي تحاول ابعاد كرة النار من ملعبها، وبين المواطنين الغاضبين، وبين منتخبين بعضهم « متهم » والبعض الآخر يتهم السلطة…

التيقيناه..كانت علامات الصدمة لا تزال بادية على محياه، مشدوها، يفكر في شيء ما. تسمرت في مكاني وصرت شاردا مثله وقلت في نفسي »الرجل شاف الموت بعينيه وعاشها لساعات وتريده أن يستوعب الأمر ويتحدث لك؟ ».

اسمه حسن، وهو في عقده الخامس تقريبا.سائق سيارة الأجرة الذي نجا بأعجوبة رفقة راكب وراكبة، من الموت، فيما توفي آخرون، كانوا على متن سيارتي أجرة أخرتين.

ما الذي وقع بالضبط؟ نسأله فيجيب »رغم تساقط الأمطار الواد كان فيه شويا تاع الماء، وكان رجال الدرك الملكي يسهلون عملية المرور على وادي تلمعدرت، لكن الكارثة ستقع حين مرت ثلاث سيارات أجرة متتالية، ثم تتوقف فجأة إحداها بعد أن تعطلت ».

هنا يضيف السائق، وعلامات الصدمة لا تزال بادية على محياه حين التقته « فبراير.كوم »، بدأ منسوب صبيب الوادي يرتفع بشكل سريع، حتى بدأ يغمر السيارات، ما دفع الركاب إلى الصعود فوقها.

ويؤكد السائق حسن بالقول: »ظللنا نصرخ طالبين النجدة، لكن محاولات رجال الوقاية المدنية رغم حضورهم متأخرين لم تنفع، وأن الحبل الذي استعمل كان قصيرا، لولا شجاعة أحد الركاب لكان مصيرنا مثل مصير الآخرين !!!

بحرقة يقول بعدما صمت لحظة: »كان عليهم أن يستقدموا طائرة لانقاذنا وانقاذ الآخرين »، مشيرا أن ساعتين من التشبث بالحياة وسط الوادي كانت كافية للإتيان بطائرة أو بشاحنة للوقاية المدنية من كلميم أو بويزكارن وإخراج العالقين وسط الوادي.

أمر مؤسف..لأزيد من ساعتين ظل الركاب وصاحب الطاكسي يصرخون ويطلبون النجدة لكن دون جدوى !

سيارة أجرة جرفها الواد

محمد..المنقذ الذي هزم الوقاية المدنية !

أما محمد، الذي كان على متن الطاكسي، وغامر بحياته، حين ارتمى في الوادي للامساك بحبل رماه أحد رجال الوقاية المدنية فيقول: »لقد عجزت الوقاية المدنية عن إنقاذنا، ساعتين وأكثر ونحن في الماء، وباءت محاولات أحد رجال الوقاية بالفشل، واكتفوا برمي الحبل الذي لم يصل إلينا، وارتميت إليه وأمسكت به وقمت بعملية انقاذ من كان معي ».

ثم يضيف متسائلا: »علاش ما جابوش لينا الطيارات ويعتقونا؟ « ، في إشارة منه إلى الثكنة العسكرية الموجودة بمدينة كلميم، ثم يضيف بحسرة بعد أن اغروروة عيناه: »عتقوا أجانب وحنى خلاونا !! ».

العرس الذي تحول لجنازة

انتقلنا إلى الجماعة القروية تيمولاي، والتي تبعد بحوالي أربعين دقيقة عن مدينة كلميم، وتزامن وصولنا حينها مع حفل تأبين أسرة رشيد المسعودي، قيادي حزب العدالة والتنمية، الذي فقد 15 فردا من أسرته غرقا في الوادي حين كانوا بصدد التوجه لحضور عرس عائلي.

تنغمر الدموع من عينيه..وأنا أتحدث إليه، بدأت الدموع تسيل على خذي وأنا أقول في خاطري: »وااا أسفاااه على أبناء مغربنا »، يقول رشيد: »الفاجعة كبيرة »، ثم يتوقف عن الكلام، ربما حينها تذكر زوجته وابنته ودارت في مخيلته فترات الفرح التي قضاها سوية معهم ومع أفراد الأسرة الآخرين.

ثم يسترسل في الكلام »اختارهم الله، وداهم لعندو، الله يتقبلهم شهداء ».

في حفل التأبين، وأمام الحاضرين، لم ينسى الرجل زوجته، والتي قال إنها ستظل تاجا فوق رأسه، مضيفا أنها كانت سندا له، في جميع أنشطته الجمعوية بالمنطقة.

ويسرد الرجل، تفاصيل هذه الفاجعة، : »كانوا متجهين لعرس لأحد الأقارب في أكادير، غير أن سائق الشاحنة التي كان على متنها أفراد الأسرة، لم يقدر خطورة المرور من الوادي بالرغم من رؤيته للمياه الجارفة، و تقديراته الله يرحموا كذلك، خرجات فالصو فانزلقت الشاحنة ».

المسعودي الذي فقد أسرته رفقة الوالي في حفل التأبين

+شابة ثائرة: ما كاين لا سلطة لا والو

التقيناها هناك. كانت جد غاضبة والدموع تنهمر من عينيها، كيف لا وقد فقدت خمس أفراد من عائلتها على رأسهم والدتها !

تمت محاصرتها ومنعها من الكلام أمام أزيد من 2000 شخص حضروا الحف، على رأسهم والي جهة كلميم سمارة.

كانت كلماتها قوية حيث قالت  » إنه لا وجود لسلطة  » على اعتبار أنه « كون كانت السلطة كاينة كون عتقوهم، وما يخليوهمش 48 ساعة وهم مرميين في الواد « ، قبل أن تردف بلغة ساخطة على الوضع وبكل حرقة تقول لموقع « فبراير.كوم »:  » راه ما كاينة لا سلطة ولا ستة حمص وداك الزواق كلو ما منو والو.. ».

+ الوالي في فوهة البركان

هل قامت السلطات المحلية بكلميم بإخبار السائقين وغيرهم بتوخي الحذر، خاصة وأن نشرة إنذارية تم تعميمها من طرف الأرصاد الجوية؟هل أقدمت على منع السائقين من المرور من المكان الخطر خلال التساقطات؟

حملنا هذه الأسئلة لسائقي الطاكسيات على اعتبار أنهم من أبرز المعنيين وأبطال فاجعة كلميم. يقول حسن الذي نجا من الموت: »ما كاينش لي علمنا وما فراسنا والو وما حبسونا حتى شي حد ».

أما الكاتب العام لنقابة الطاكسيات، فقد أكد على أنه اتصل بمركز الولاية، لكن لا أحد يجيب، مشددا على أنه كان ممكنا إنقاذهم، محملا المسؤولية للولاية وكذا لوزارة التجهيز.

سائق آخر، أكد أن مصالح ولاية الجهة لم تقم بأي خطوة لإخبارهم بالنشرة الجوية وخطورتها، ولم تقم بمنعهم من التنقل بحكم سلطتها ونفوذها !

والي جهة كلميم بات الرأس المطلوب لدى الساكنة. الكل يتهم السلطات بتخاذلها في إنقاذ الأرواح، وفي غياب الوسائل اللوجيستيكية، وكذا في تحذيرهم من النشرة الجوية، ولا حتى في توفير بنيات تحتية بالجهة.

ولعل ما جعل الوالي في « ورطة » مراسلة رئيس المجلس البلدي لكلميم، التي دعاه فيها قبل أشهر على الكارثة لعقد اجتماع لاتخاذ التدابير الوقائية للفيضانات وغيرها، غير أن الوالي لم يتجاوب معها.

رئيس بلدية كلميم، المنتمي لحزب الاتحاد الاشتراكي عبد الوهاب بلفقيه، حمل في حوار مع « فبراير.كوم » والي كلميم المسؤولية في هذه الفاجعة داعيا إلى محاسبته.

بلفقيه قال مصرحا: »الوالي لم يقم بأي شيء، وكان عليه بحكم مسؤوليته وسلطاته أن يوظف المؤسسة العسكرية لإنقاذ المواطنين من الغرق، لكنه لم يقم بطلب التدخل من المؤسسة عكس ما قام به والي جهة العيون »، مضيفا : »الوالي يجب أن يحاسب على تقصيره، لكونه لم يقم بالخطط والتدابير الضرورية ».

لم يقتصر الأمر على هذا فقط، بل الأكثر من ذلك، فرئيس المجلس اتهم الوالي بكونه لم ينفذ تعليمات الملك محمد السادس باعتباره ممثلا له بالجهة، حين لم يحضر دفن الضحايا.

والي كلميم

+الداخلية تبرر…

أمام الضغط الذي كان يعيشه والي جهة كلميم، من غضب الساكنة، وغضب الجهات العليا التي كانت تتابع من الرباط الفاجعة، زادت صور جثت لضحايا الفيضانات، تنقل على حاويات شاحنات مخصصة للأزبال، من تعقيد مهامه، وجعلته في ورطة أخرى.

فقد خلقت هذه الصور الكثير من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، وحمل رواد الفايسبوك والتويتر السلطات، مسؤولية عدم الاهتمام بالمواطنين وهم أحياء حيث تركوا يواجهون الموت وسط الوادي، لتنضاف معاناتهم حتى وهم أموات ينقلون في شاحنات الأزبال !!

الوالي الحضرمي، حاول تبرير الأمر، واعتبر وهو يعلق لموقع « فبراير.كوم » على هذه الصورة بكون « سيارات الوقاية المدنية لا يمكنها التنقل عبر الأوحال، لذلك كان من الضروري استعمال شاحنة كبيرة لنقل الجثث من مكان الانتشال إلى سيارات الإسعاف ».

واعتبر الوالي أن السائق الذي قاد الشاحنة وقام بهذه الخطوة، بكونه « شريفا وبطلا » لأنه أخرج الجثت على الأقل، منوها في الوقت نفسه على هامش حفل تأبين بجماعة يتوملاي، بدور الشباب أبناء المنطقة وأخلاقهم العالية، خاصة وأنهم أقدموا على انتشال الجثت دون أن يقوم أحدهم بسرقة حلي الضحايا من النساء اللواتي كن متوجهات إلى أحد الأعراس.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة