الحقوق والواجبات كيف تفهم؟

الحقوق والواجبات كيف تفهم؟

  • خالص جلبي
  • كتب يوم الأحد 11 يناير 2015 م على الساعة 15:09

لعل أكبر خرافة تعلمناها في تربيتنا السياسية شعار “الحقوق تؤخذ ولا تعطى”، وفي الحقيقة فالحقوق لا تؤخذ ولا تعطى، وإنما هي ثمرة طبيعية للقيام بالواجب.
فمن يقوم بواجبه ينال حقوقه، إن لم يكن في الأرض فستنزل من السماء عطاءً غير مجذوذ.
لنحاول تفكيك هذه الفكرة؟
هناك “قانون اجتماعي” يربط بين العلاقات الشخصية، وشبكة العلاقات الاجتماعية، وفكرة المركزية واللامركزية التي طورتها المجتمعات الغربية هي ثمرة نضج تلك المجتمعات.
وكل تضخم في جانب الفرد يعني تورماً غير صحي على حساب شبكة العلاقات الاجتماعية.
وبقدر نمو الفردية بقدر اضمحلال الروح الاجتماعية.
ونحن نعرف في علم الأورام أن السرطان حينما يكبر يقضي في النهاية على نفسه والبدن معاً، وحينما ترفع صور الأفراد شاهقات في بلد فهو يعني من طرف آخر إلغاء بقية الأمة، كما حصل مع صدام حينما جاءت نتيجة التصويت له مئة بالمئة، وقبل سقوط الكبرياء.
ونقطة خلاف الإسلام مع المسيحية هي في نفي صفة الألوهية عن شخصية المسيح ليجلس على كرسي بين البشر.
ومن الغريب أن هناك أفكار اعتنقتها السياسة في مناطق كثيرة من كوريا الشمالية حتى كوبا وفي كثير من زوايا العالم العربي؛ فارتفعت الأصنام بعد أن حطمها نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرنا، مما يدل على مدى رسوخ فكرة الصنمية والاجتهاد في حربها بدون توقف، وفي كثير من المطارات والدوائر الحكومية في العالم العربي الأصنام مشرعة. وفي سوريا ترتفع أصنام بشار البراميلي مع حسن نصر الله، وحسب فولتير فجنب الحاكم يقف دوما اثنان بوظيفتين؛ الكاهن والجلاد، الأول لاغتيال العقل على نحو دوري منظم، والثاني للرعب، بالنطع والسيف ملثم الوجه بغطاء أسود مخيف، لضبط النظام الفرعوني فسكتت الأصوات فلا تسمع إلا همسا، ويمد الحاكم رجليه على رقبة شعب، ينتظر الموت قبل الموت.
إن حرص الإسلام على تحريم الصور لم يكن من أجل صورة الهوية الشخصية، أو صور الديجتال واليوتيوب في الإنترنت، بل من أجل نزع القداسة عن الصور. وهذا الفهم كتب عنه ابن رشد عن سر العلاقة بين (العلة) و(النص) في عنوان (فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال)، فعوقب بحرمانه من دخول المسجد للصلاة هو وابنه في قرطبة عندما هاج عليه الرعاع.
وعندما يستلب الفهم من عقولنا نحافظ على الطقوس، وننسى روح الإسلام، تماماً كما واجه الصدوقيون والكتبة والفريسيون عيسى بن مريم؛ فكانوا يسألون عن الشبث والنعنع وينسون الناموس الأكبر، ويسألون عن البعوضة وينسون الجمل.
هناك علاقة صارمة بين فكرتي الحقوق والواجبات؛ فالواجب هو حق من جانب، وهو واجب من الوجه الآخر، تماماً مثل وجهي العملة. إن أية معاملة هي واجب للموظف يؤديها، في وقت هي حق لمن يستفيد منها. الموظف يرى أن من حقه أن يعالج بشكل جيد أثناء مراجعة المستشفى، في الوقت الذي يعتبر هذا واجباً للطبيب يؤديه، وهكذا تصبح العملة الاجتماعية تدور بين حق وواجب في كل شرايين الخدمة الاجتماعية.
هذه العملة يجب أن لا تزَّور، وحسب قواعد الاقتصاد يعتبر المجتمع معه (فائض) في العملة عندما يملك فائضا من عملة الواجبات. نحن إذا أمام ثلاث معادلات اجتماعية:
الأولى، الواجبات أكبر من الحقوق، الثانية حينما تتعادل الواجبات والحقوق، الثالثة حينما تزيد الحقوق عن الواجبات أو (الواجبات أقل من الحقوق).
الأولى: عند تحقق فائض الواجبات عن الحقوق، وهي ترمز إلى مجتمع متفوق حضارياً.
الثانية: تساوي الحقوق والواجبات، وهي تعطي فكرة عن مجتمع متوازن، أما عندما تتفوق حركة المطالبة بالحقوق في المجتمع عن تأدية الواجبات اليومية، فإن المجتمع يبدأ في الانهيار.
ويترتب على القانون الذي ذكرناه قانون اجتماعي آخر هو: عدم المطالبة بالحقوق، أو بكلمة أدق تعميق اتجاه القيام بالواجب، لأن المجتمع الذي تعلم أن يقوم بواجباته سوف تنشق السماء وتتنزل عليه حقوقه.
ومعظم أبنائنا الذين يذهبون إلى الغرب لا يفهمون (سر الفعالية) فيه. ويحصل ما سماه مالك بن نبي الارتماء في “مزابل الحضارة” أو الانزواء في “مقابر الحضارة”.
ويعني بكلامه رؤية الحضارة الغربية من ثقبين: الفساد الأخلاقي، والأجواء المهنية، والحضارة ليست هذا ولا ذاك، كما أنها لم تخلق في هذه الأمكنة، كان مالك يريد فهم الحضارة ككائن عضوي مترابط و”الشروط النفسية والاجتماعية” التي تولِّد هذه الفعالية.
وهذه الفكرة حلت عندي إشكالية مهمة لماذا يتصرف من تخصص في الغرب بعد عودته، بصورة غير التي كان يتصرف بها هناك؟ فلا يحافظ على الموعد، ولا يتقيد بإشارات المرور، أو يعتقد بالخرافة إلى أخمص قدميه ولو كان مهنياً بارعاً.
والمجتمع الألماني الذي عشت فيه تسع سنوات وأتقنت لغته يعتبر من قمم مجتمعات العالم، فألمانيا هي صيدلية العالم، وأرض الفلاسفة، ومكان الموسيقيين المبدعين، وأرض حملة جوائز نوبل.
بنفس الوقت هي محرقة آوشفيتز، وأرض الهولوكوست، وما لفت نظري عندهم أن الإنسان الألماني لا يتأخر في حضوره للعمل؛ فالعمل عنده مقدس.
عندهم من الفائض في العملة الاجتماعية (الواجب) ما يجعل أمراضهم مسيطرٌ عليها، وقوتهم من معرفتهم بطبيعة هذه الأمراض، والانتباه الدائم لها، ومراقبتها ونشر فضائح الشخصيات السياسية، فيما لو تورط باختلاس ولو القليل، أو قصر عن دفع ضريبته من خلال أداة نقد اجتماعية حادة، ومن الغريب أن مفاهيم الحقوق والواجبات متناثرة في تراثنا، ولكننا نقرأ النصوص بعيون الموتى.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة