المغرب.. مصر.. لا داعي لأن نفهم | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

المغرب.. مصر.. لا داعي لأن نفهم

  • مولاي التهامي بهطاط
  • كتب يوم الأحد 11 يناير 2015 م على الساعة 17:19

كما كان متوقعا لم تمر ربورتاجات القانتين الأولى والثانية عن “الانقلاب المصري”، مرور الكرام، بل تحولت إلى مادة دسمة لمختلف المنابر المحلية وحتى الدولية، فضلا عن انخراط كثيرين في “التحليل” و”التفسير” بشكل جعل “رأس الخيط” يضيع من القارئ البسيط الذي لا يفهم “شيفرة” خطاب وسائل الإعلام، ورسائلها السرية وما بين سطور إشاراتها..
لقد تعلمت بعد سنوات من العمل الصحفي، أن افضل خطوة ينبغي اتخاذها إزاء بعض الأحداث “الكبرى” في المغرب(جزيرة ليلى، قطع العلاقات مع إيران…مثلا..)، هي الانتظار إلى حين انقشاع الغبار لتتضح الرؤية، لأن كل كلام تحت تأثير انعدام “الرؤية” هو مجرد تدليس على القارئ، وتهافت لا يليق بمن يحملون أمانة الكتابة..
فقد مضت أيام على خرجات القناتين، دون صدور موقف مصري رسمي، بل ترك الملف بين يدي “الديبلوماسية التلفزيونية” حيث تنافست كثير من الفضائيات المصرية في كيل المديح المجاني للمغرب بدون مناسبة، بينما أصر آخرون على تحميل “جهة ما” وزر هذه السحابة التي لبدت سماء العلاقة بين البلدين، بل لم يتردد البعض في اتهام “الإخوان” بالوقوف وراء هذه “المناورة”.. وهو كلام لم يأت من فراغ، بل بناء على تصريحات سفير المغرب في القاهرة الذي أكدأن ما أذاعه التلفزيون الرسمي: “يقف وراءه شخص غير معروف، يهدف للوقيعة بين البلدين”.
وبما أن الرؤية لم -وربما لن- تتضح في مستقبل قريب، أفضل الاقتصار على تسجيل الملاحظات العامة التالية:
– بداية يعلم الجميع في المغرب وخارجه، أن قنوات التلفزيون تقع خارج سلطة الحكومة، وبعيدا عن رقابة البرلمان، ولا أحد في حاجة لتذكيره كيف أن محاولة الحكومة الحالية تطبيق القانون في ما يتعلق بتحديد السياسة العمومية في هذا المجال، تحولت إلى “أزمة” انتهت برفع وزير الاتصال الراية البيضاء وترك التلفزة وشأنها، بل إن القناة الثانية تحديدا تحولت إلى قوة المعارضة الأولى في المغرب في ظل ضعف الأحزاب والمجتمع المدني، بل إن السيدة سيطايل لا تتوانى في كل مرة عن تحدي رئيس الحكومة نفسه، بينما لا يستطيع هو سوى “الشكوى” إلى الله وإلى محازبيه…
كما لا يحتاج أحد لتذكيره، بأن “الشخص غير المعروف” الذي تحدث عنه السيد العلمي ليس سوى أحد “التماسيح” التي لا تفارق خيال رئيس حكومتنا في ليل أو نهار.. فتمرير تحقيقات “شديدة اللهجة” لها علاقة بالسياسة الخارجية بشكل متزامن، في القناتين وفي نشرات إخبارية بالعربية والفرنسية، لا يمكن أن يكون صادرا عن “مجهول”، بل هي خطوة “رسمية” بغض النظر عن آليات اتخاذها..
– الطريقة الغريبة التي تم بها تمرير “الرسالة” ضمن نشرات الأخبار، تؤكد لمن لازال في شك، أن الإعلام العمومي في المغرب ما زال يسير ويفكر بطريقة إعلام القذافي وبشار والصحاف العراقي..
ولا أظن أن كثيرين التفتوا إلى طريقة صياغة التقارير الإخبارية، ولا إلى حشرها دون تمهيد ودون مبرر في سياق لا علاقة لها به.
وهنا تطرح مرة أخرى إشكالية الاحترافية في التلفزيون المغربي.. فقد كشفت هذه الخطوة مجددا، اننا أمام “موظفين” ينفذون تعليمات بطريقة فظة، في الوقت الذي كان بالإمكان إيصال الرسالة إلى الطرف المصري بشكل أكثر تأثيرا لو كانت أمور التلفزة في يد محترفين.. ولا حاجة للتذكير هنا بأن مئات الإعلاميين المغاربة يبدعون بكل لغات العالم في قنوات شرقية وغربية، لكن تلفزات بلدهم محرمة عليهم “أربعين سنة يتيهون في الأرض”..
وهذا العنصر سيظهر اثره بوضوح عندما تعود “المياه إلى مجاريها” بين البلدين كما هو متوقع قريبا، حيث لا أحد يدري كيف ستتعامل القناتان في حال قرر الجنرال السيسي القيام بزيارة إلى المغرب، وهل ستصر على وصفه بـ”قائد الانقلاب”، أم أنه سيتحول إلى فخامة الرئيس وإلى “زعيم” و”قائد”؟
ولا مجال هنا للحديث عن خجل أو حرج، فالإعلام المغربي فقد عذريته منذ زمن، بل سنلاحظ حتما انقلابا كاملا، لكن في الاتجاه المعاكس لما حدث في الربورتاجات الشهيرة.. والعاهرة – على كل حال- لن يضيرها أن تُعير بأنها فقدت بكارتها..
– لقد اكتشفنا مرة أخرى اننا دولة بلا إعلام وبلا سياسة إعلامية، وأن الأمور تسير بطريقة “المياومة”، فلا تخطيط ولا مهنية ولا استراتيجية، بل هناك اعتماد كلي على الهاتف، والمكالمات السرية والعاجلة..
ولن يكون مفاجئا لأحد لو ان السيدة سيطايل فاجأت مريديها بارتداء الحجاب أو حتى النقاب، رغم كل ما تسوقه من شعارات عن أنها “حارسة الحداثة” في المغرب.. وقد شاهنا نموذجا لهذا الاستعداد “الفطري” للتلون، في الحالة المصرية، فمرسي الإخواني تحول إلى رئيس شرعي منتخب، والسيسي الحداثي تحول إلى انقلابي يداه ملطختان بالدماء..
وهنا مكمن الخطر الذي لا أظن ان هناك من ينتبه له أو يهتم به أصلا..لأن وجود هذا النوع من “المسؤولين” في مواقع صناعة القرار الإعلامي يكشف عن أن “وعي” المغاربة في قبضة اشخاص متلونين وحربائيين همهم الأول كراسيهم.. ولنستحضر فقط ما قاله رئيس الحكومة عن اتصال مديرة القناة الثانية به في لحظة “شك” أو “خوف”.. من مصير بعض “أصدقائها”..
– الأمر لا يقف عند إدارة قناة لا يشاهدها سوى ربات البيوت والمراهقات الحالمات بحكايات المسلسلات المدبلجة ..بل يطال أيضا الجهاز الديبلوماسي وهذه كارثة عظمى..
من المؤكد أنه لا وزير الاتصال ولا رئيس الحكومة كانا على علم مسبق بما عرضته القناتان، بل أكاد اجزم انهما ربما اضطرا للبحث عن تسجيلات لما فاتهما، حتى لا يظهرا كـ”الأطرش في الزفة” كما يقول المصريون..
لكن هل يعقل – مهما كان حجم تخلفنا وتفكك هياكل دولتنا- أن لا يتم إطلاع حتى وزير الخارجية على خطوة من هذا النوع قبل الإقدام عليها؟
وأتحدث هنا بصيغة الجزم لأن السيد مزوار غاب عن لحظة كان مفروضا ان يكون نجمها بلا منازع، بما أن “الخلاف المغربي – المصري” أساسه ديبلوماسي بالأساس بغض النظر عن أي القشات أدت إلى قصم ظهر البعير..
وقد اتضح استبعاد الديبلوماسية من هذا الإجراء، من تصريحات السفير العلمي الذي نقل فلسفة شباط إلى القاهرة عندما تحدث عن “شخص مجهول” يعبث بالعلاقات بين البلدين، وكأن الرجل يعيش خارج التاريخ، ولم يكن وزيرا في حكومات سابقة، وفاعلا سياسيا في حزب عتيد، يعرف جيدا بأية مياه تدور رحى التلفزة العمومية.. ويستحضر ما عاناه الأستاذ المساري زميله في الانتماء الحزبي و”الشفشاوني” مع “دوزيم” وأخواتها.. بل كيف يفسر السيد السفير أن تقرير القناة الأولى استعان بالسيد بنهمو عضو المكتب السياسي لحزب الاصالة والمعاصرة الذي قال في النظام المصري ما لم يقله حتى رئيس حكومتنا “الإخواني”؟
هل راهن السيد السفير على غباء المصريين فحاول إقناعهم بأن “جماعة الإخوان” تسللت إلى التلفزة العمومية؟…أم أنه أراد الخروج من “ورطة” وجد نفسه فيها بلا مغيث؟ أم انه تصرف كمناضل في حزب معارض وليس كممثل لدولة؟ ولماذا لم يلتزم الصمت إلى أن يستشير رؤساءه في الرباط؟
– لقد استغرب كثيرون مبادرة المغرب إلى مباركة الانقلاب على أول رئيس مصري منتخب بطريقة ديموقراطية، مع ان درس التاريخ علمنا أن عسكر مصر فضلوا دائما الجزائر على المغرب.. خاصة وأنه كان بالإمكان التريث، أو البحث عن مقابل مناسب لهذا الاعتراف المبكر بالانقلاب..
التحليل الوحيد لهذا التهافت، هو أن بعض صناع القرار عندنا يضعون مواقفهم الشخصية قبل منطق الدولة.. وبعبارة صريحة، فإن الموقف الشخصي من تيار “الإسلام السياسي” انعكس تلقائيا على الحالة المصرية، مع ان المغرب دفع ثمنا باهظا بسبب الانقلاب المصري السابق على الشرعية الملكية الذي قاده عبد الناصر.. ولا داعي لتكرار ما هو معروف في هذا الباب..
لا أظن ان هناك مسؤولا مغربيا يرى الدور الكبير الذي لعبه الصحفي هيكل في الانقلاب الحالي ويراهن على نظام السيسي للحفاظ على الأقل على الحالة السائدة خلال عهد مبارك أو السادات..
فهيكل يكره المغرب منذ القديم، لأن الحسن الثاني رحمه الله، كان أحد أهم الحواجز الفكرية والسياسية في وجه “الناصرية”، وهذه مسألة لا يمكن لـ”الأستاذ” ان ينساها.. وما كتبه عن العاهل الراحل لا يحتاج إلى تذكير..
ومع ذلك، ورغم ان هناك شبه إجماع على أن السيسي لا يخطو خطوة دون استشارة هيكل، الذي زرع فيه أنه الوريث الشرعي والوحيد لـ”ناصر” بعد فترة بياض استمرت منذ وفاة هذا الأخير.. شاهدنا تهافتا مغربيا لدعم انقلاب دموي، وبدون مقابل.. علما أن إكمال مسيرة “ناصر” يمر تحديدا عبر إشعال الفتن بين الدول العربية…وعلى رأسها الجزائر والمغرب..
خلاصة القول..
إن هذا “الحادث” أو “الحدث” -لا فرق- يؤكد مرة أخرى أن المغرب لم يصل بعد إلى مرتبة “الدولة”، والدليل على ذلك أنه رغم مرور أيام على الخرجة الإعلامية، مازال الناس يبحثون عن الأسباب والمسببات، ويحاولون فهم ما يجري، بينما ضاع المحللون والمتابعون في غابة من الاستنتاجات والتخمينات والمضاربات التي لا أساس لها ولا منطق فيها .. وستعود حتما المياه إلى مجاريها بين البلدين دون ان يفهم احد ما جرى..كما عادت العلاقات مع إيران فجأة ودون مقدمات بعد قطيعة لم يفهمها أحد..

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة