العروي يؤكد أن القاضي مؤرخ والمؤرخ قاضي ويسائل محكمة التاريخ التي لا ترحم | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

العروي يؤكد أن القاضي مؤرخ والمؤرخ قاضي ويسائل محكمة التاريخ التي لا ترحم

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 15 أكتوبر 2012 م على الساعة 14:46

اليوم، سأقارن تصور المؤرخ لقضية ما مع تصور القاضي لنفس القضية. ما دعاني لاختيار هذا الموضوع هو ما يعرض هذه الأيام في بعض القنوات التلفزية الفرنسية من إعادة النظر في محاكمات شهيرة، مثل محاكمة ملكة فرنسا «ماري أنطوانيت»، التي اتهمت بالخيانة العظمى والتآمر مع العدو، فأدينت وأعدمت سنة 1794. ما هو المنطق وراء فتح مثل هذا الملف مجددا؟ يتعلق الأمر بحكم على حكم، حكم المؤرخ على حكم القاضي بإيعاز من الصحافي. يتحكم منطق الصحافي هنا في سلوك المؤرخ، إذ يفرض عليه شروطه من آنية وتبسيط وسرعة القرار. والمؤرخ بدوره يفرض منطقه على القاضي، إذ يلزمه بالخضوع إلى نسبية القوانين والأحكام، وهو ما لا يقول به القاضي إذ يقضي. نترك الصحافي جانبا، ونركز على الفرق بين ذهنية القاضي وذهنية المؤرخ. أبدأ بتلخيص ما سأقوله في حديثي هذا. نجد في كل مجتمع عقلية عامة تتحكم في التفكير وتصرف الأفراد، وضمن هؤلاء المؤرخ والقاضي. هناك، إذن، علاقة واضحة في كل مجتمع بين مسطرة القضاء، وبين منهجية المؤرخ. خذ مثلا مجتمعا أميا. وانظر في الكيفية التي يقضي بها قضاته، والكيفية التي يروي بها رواته أحداث الماضي. فسترى أن هناك علاقة وطيدة. ثم لسبب من الأسباب تتغير تلك العقلية العامة، وبالتبعية تتغير مسطرة القضاء ومنهجية المؤرخ. تغيرات الثورة حصل مثل هذا التغير على أوسع نطاق في أوربا الغربية أثناء القرن الثامن عشر. فتم على إثر ذلك تحول عميق في القضاء الجنائي والكتابة التاريخية. ولا أدل على ذلك من كتابات «فولتير» التاريخية التي أبدعت منهجية جديدة، وكتاباته في المسائل القضائية مثل ما سمي آنذاك بـ»قضية جان كالاس»، والتي على إثرها ألف كتابه الشهير «رسالة في التسامح». فهناك علاقة بين المؤلفين. السؤال الذي أريد طرحه هنا هو: كيف نحكم على هذا التطور، وعلى تطور ثان حصل بعد مائة وخمسين سنة، وهو تطور معاكس؟ هل نقول إن التطور الأول يمثل مرحلة عابرة لا يعتد بها؟ أم نقول إنه كان مكسبا دائما لا رجعة فيه، وإن التحول الذي جاء من بعد يمثل سحابة صيف ستتلاشى لا محالة، ولن تترك أي أثر؟ هذا هو منحى حديثي. والآن، لندخل في التفاصيل. قمت مؤخرا بتعريب كتابين لكاتبين من أعلام القرن الثامن عشر الأوربي هما: «مونتيسكيو» و»جان جاك روسو». لو ساعدتني الظروف لقمت أيضا بتعريب مؤلف يعود إلى الفترة نفسها، وهو كتاب «تشيزاري بيكاريا»، الذي عاش من سنة 1738 إلى سنة 1794، الذي يحمل عنوان «في الجنايات والعقوبات». مؤلفه «بيكاريا» إيطالي الجنسية، متأثر جدا بمنهجية «مونتيسكيو». ويعتبر من مؤسسي النظرية القانونية الجنائية الحديثة. اشتهر أساسا بدعوته إلى إلغاء عقوبة الإعدام، وأول من نادى بها بكيفية شاملة، وبعده أثير نقاش طويل، منهم من أيده، ومنهم من انتقده. لكن ما يهمنا نحن هو كيف يعرض وسائل الإثبات. في فصلين أساسيين: الفصل السابع والفصل والثامن. أذكر هنا جملة تهمني، في المقطع السابع عن مؤشرات الجريمة يقول: «ولا يتعجبن أحد إن رآني أستعمل عبارة «جرائم محتملة». وهذه، لكي تستحق العقاب، يجب أن تكون قطعية. دلائل الجريمة نوعان: كاملة وناقصة». وفي المقطع الثامن حول الشهود، يقول: «أفعال العنف، وهي الجرائم حقا، تخلف آثارا جليا في تعدد الظروف المحيطة بها، وفي النتائج المترتبة عنها. أما الأقوال، فلا تخلف شيئا، إلا ما علق بالذاكرة التي كثيرا ما تخون السامع، أو تغويه». الإقرار بالحجة إذن، ترون المنحى الذي سيسير فيه «بيكاريا»، بالتعرض لمسألة منهجية القانون الجنائي. لب ما يقوله هو أن الإقرار لا يثبت الجريمة، وإن كان ذلك هو المقبول طيلة قرون. خذ مثلا محاكمة «غاليليو»، وإن لم يتعلق الأمر بجريمة. كان الغرض من المحاكمة إقرار «المتهم» بخطئه، وإن لم يكن هناك خطأ أصلا. ولذلك أرغم على الاعتراف بأنه ارتكب خطأ، وهمهم في الوقت نفسه: «ولكنها تدور». إذن، الإقرار لا يعد حجة عقلا، وإن اعتبر عرفا حجة بامتياز. وإذا كان الأمر كذلك، فالأحرى ألا تقبل شهادة الغير كحجة دامغة، أو «حجة كاملة» في تعبير «بيكاريا». مدة قرون، كانت المسطرة العادية هي، أولا، حصول قناعة بالجريمة بأسباب. لكن هذه القناعة لا تمكن من إصدار حكم لا طعن فيه. المؤشرات الدالة على الجريمة لا تمكن القاضي، كذلك، من إصدار حكم يطمئن إليه. فلا يطمئن إلى الحكم إلا بعد إقرار المجرم. هذه العقلية التي كانت سائدة في كثير من المجتمعات. من هنا الحبس والمضايقة والتعذيب، لأن الغرض من كل هذا هو الإقرار، وبدون إقرار لا يمكن إصدار حكم لا طعن فيه. أما إذا نزعنا عن الإقرار، وبالتالي عن كل شهادة بشرية، صفة الحجة الدامغة والكاملة، أمكن الاستغناء عن الحبس والتعذيب. في هذه الحالة، لا تلغى الشهادة البشرية عن الذات والغير، وإنما تصبح ثانوية بالنسبة إلى مؤشرات ودلائل من نوع آخر. ما هي هذه الدلائل من النوع الآخر؟… الذي دفع «بيكاريا»، ومن رأى رأيه، إلى هذا الموقف الجديد هو أن الشهادة المبنية على الحضور والوعي والمعاينة، إلى حد كان يقال إن «الشهود هم أذن وعيون القاضي»، لم تعد مقنعة؟ فلا بد من استحضار الثورة العلمية، التي بدأت بالضبط مع «غاليليو»، وتوجت بأعمال «نيوتن». هناك باحثون يشككون في مفهوم الثورة العلمية، بمعنى القطيعة في مسار الإنسانية المفكرة. ويقولون إن هناك استمرارية في اكتشاف قوانين الطبيعة. إلا أن وتيرة الاكتشافات تسارعت في العصر الحديث بقدر ما. هؤلاء لا يرون أن الثورة لا تهم المعلومات، حجم المعلومات، بل تهم المجتمع ككل. فثورة القرن السابع عشر الأوربي تعد ثورة لأنها لم تظل محصورة في مجموعة ضئيلة من الباحثين المعزولين عن باقي المجتمعات، بل لأن المنهجية المتبعة في دراسة ظواهر الطبيعة انتشرت وتغلغلت في أذهان عدد يكبر يوما عن يوم من الناس. فبدأ الجميع، تدريجيا، يطبقون نفس المنهج لفهم ظواهر أخرى غير ظواهر المادة الجامدة أو المتحركة. هذه المنهجية العلمية- أو العلموية- الطبيعية هي التي غيرت بالتدريج، أثناء قرنين أو ثلاثة، مضمون المفاهيم المتداولة، منها مفهوم الدليل القاطع، أو الحجة الفاصلة. هذا التطور البطيء والعام هو الذي أثر في المجال القضائي، بعد أن أثر في مجالات أخرى. لم يعد الجمهور يعتبرالشهادة الفردية حجة في مجال الطبيعيات. لا تقل: «أنا أرى أن الشمس أصغر من الأرض، أراها بأم عيني». هذه ليست حجة. فإذا اقتنع الكثيرون بأن الشهادة البشرية- والشهادة تعني الشهود- لا تكفي. لا بد من شهادة أخرى، من شاهد من نوع آخر. بعد حين، يتعود على المطالبة بنفس الاستشهاد في مسائل، غير المسائل الطبيعية، أي في المسائل البشرية. فالشك في الشهادة المباشرة عن الحوادث الطبيعية هو الذي عود الناس- بعد قرون- على الشك في الشهادة البشرية عن الحوادث البشرية. لو لم يحصل الشك الأول لما كان الشك الثاني. وهذا هو السبب الذي حصل في ثورة القرن الثامن عشر في المجال القضائي، وكذلك- كما سنرى بعد قليل- في مجال البحث التاريخي. الشاهد الصامت بماذا نبدل الشهادة البشرية؟ نبدلها بما يسمى بالشاهد الصامت، أي الشواهد المادية. يقر المتهم أو لا يقر، يكون محبوسا أو في حالة سراح، يجيب أو لا يجيب على الأسئلة المطروحة عليه، فإن هذا المتهم لا يدان إلا بشواهد مادية دالة على الجريمة المنسوبة إليه. وهذه الشواهد المادية هي، نظريا، مقنعة للجميع. أية علاقة بين هذا الكلام، وبين المؤرخ؟ العلاقة واضحة. نتكلم تلقائيا عن محكمة التاريخ. أو ليس المؤرخ في موقف القاضي بالنسبة إلى قضايا الماضي؟ أو لا يبحث المؤرخ أيضا عن طرق مجدية لإثبات صحة الوقائع؟ بالطبع، التطور الذي حصل في مجال القضاء حصل أيضا في مجال التاريخ. مفهوم الشهادة واحد عند القاضي، وعند المؤرخ. وطرق التمحيص واحد أيضا. وفي كثير من المجتمعات يجتمع في الشخص الواحد صفة القاضي وصفة المؤرخ. لتمحيص الشهادة يعتمد الاثنان على مفهومين اثنين، مع اختلاف في التسمية: خذ مثلا القاعدة التي تقول «الإجماع حجة». ماذا تعني؟ تعني أن الشهادات إذا تطابقت، ولم يكن هناك تواطؤ، أي اتفاق مسبق على الكذب، فكل شهادة تقوّل أخرى، إلى حد أن المستمع يقتنع بما يسمع. فهذا المبدأ قائم عند القاضي، وعند المؤرخ. خذ مفهوم «العرف». الشهادة مرفوضة إذا خرقت العادة، إذا خرقت العرف، أو المعروف في مجتمع ما. هذا أيضا مبدأ يطبقه القاضي، كما يطبقه المؤرخ. خذ مفهوم «التواتر»، أي إجماع الأجيال على نفس الحكم. هذه الحجة موجودة عند القاضي والمؤرخ. هنا أنبه إلى أنني أتحدث عن المؤرخ بصفة عامة، ولا أميز بين المحدث والمؤرخ الاجتماعي، لأن كل واحد يعطي لكلمة «عرف» و»تواتر» معنى خاصا. ولكن أبقى في العموميات، إذ أحاول أن أميز، أو أقارن بين المؤرخ كراوية، والقاضي إذ يقضي. هذه الذهنية العامة المتحكمة في فكر القاضي والمؤرخ معا في مجتمع معين وفترة معينة، تحتم نتيجتين: الأولى هي أن أفق الرجلين- أفق القاضي وأفق المؤرخ- آدمي بشري بالتعريف. القاضي لا يفصل إلا في نزاعات بين البشر. هذا مفهوم. والمؤرخ باعتماده على الشهادة البشرية، أي على النطق الدال على وعي، لا يروي إلا أخبار الإنسانية الواعية. من هنا الفرق بين التاريخ وما قبل التاريخ. النتيجة الثانية متولدة عن الأولى. أعنى تخصيص القضاء وتخصيص التاريخ لجماعة محدودة عن غيرها. لكل جماعة قضاتها، ولكل جماعة مؤرخوها. هذا التخصيص قد يزيد انحصارا مع مرور الزمان. للأشراف والنبلاء ورجال الدين قضاة مختصون. وللعوام قضاة. كذلك لكل أمة مؤرخوها، لكل ملة، دولة، بل لكل أسرة، كما نرى ذلك إذا تصفحنا كتاب «ليفي بروفانسال» «مؤرخو الشرفاء». التخصيص يعني ألا يقضي بين النبلاء إلا نبيل. ولا يؤرخ لملة إلا أحد أبنائها. وهذا الأمر ناتج عن مفهوم الشهادة، لأن الشاهد غير مصدق، غير مؤتمن إذا شهد على من ليس من جنسه وطبقته. لماذا؟ لأنه قد يؤول خطأ ما يراه وما يشاهد، إذا لم يكن متعودا على عادات تلك الجماعة، أو الملة، أو تلك الطبقة. العبد لا يشهد على السيد، والمرأة لا تشهد على الرجل، والطفل لا يشهد على البالغ، والكافر لا يشهد على المؤمن، والمؤمن لا يشهد على الكافر، الخ. في الإطار، لا يمكن تصور قانون طبيعي عام ينطبق على الجميع. فيقضي بموجبه القاضي في أي نزاع، مهما كانت صفة المتنازعين. كما لا يمكن أن يتصور تاريخ عام يقول به المؤرخ من أية جنسية كان، راويا أو ممحصا أخبار كل الأجناس. من هنا نظام الملات. كل قاضي يصادق على حكم قضاة الغير. وكل مؤرخ يجمع ما يقوله مؤرخو كل ملة على ملتهم. هذا ما فعله المسعودي مثلا في «مروج الذهب». يبدأ بالصين، ثم بالهند، فالفرس، واليونان، الخ. وفي كل حال، يروي ما يرويه مؤرخو تلك الملل والأمم عن مللهم وأممهم. لا يتدخل فيها. فهذان المفهومان قانون طبيعي، أي قانون يطبق على مجموع الجنس البشري. وتاريخ عام، أي تاريخ البشرية كوحدة، وليس كمجموع الجماعات المختلفة. هذان المفهومان كانا ثمرة من ثمار الثورة العلمية التي أشرنا إليها، التي أبدلت الشهادة البشرية بالشاهد المادي، حيث ظهر وتكون بالضبط في القرن الثامن عشر. فـ»فولتير» مثلا يكتب كتابا عن الإنسانية جمعاء (Essai sur les mœurs et l’esprit des nations). يتبع

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة