قلوبهم معنا وقنابلهم علينا

قلوبهم معنا وقنابلهم علينا

  • أحلام مستغانمي
  • كتب يوم الأربعاء 14 يناير 2015 م على الساعة 12:09

في أحد تصريحاته الغاضبة، قال يوسف شاهين أخيرًا: «أنا أعرف خمس لغات وأعرف أن أشتم بها». ولأنّ المرء لا يمكن أن يدَّعي معرفته حقًّا بلغة من اللغات، إلّا إن كان في استطاعته لا أن يشتم بها فحسب، بل أيضًا أن يُعلن بها حبَّه، لم يحدث أن شعرت بفاجعة جهلي اللغة الإنكليزيّة، كما حين وجدتني عاجزة عن أن أقول للرئيس بوش، بالإنكليزيّة، كم أنا أُحبُّه. ولكونه يحتقر الفرنسيّة، أجدني مُجبرة على أن أُعلن له حبّي بالعربيّة، اللغة التي أُتقنها ويكرهها، واللغة التي أعلنت الأمم المتّحدة أخيرًا أنّها من اللغات المهدّدة، كأصحابها، بالتطهير العرقيّ.
وكان ابن المقفَّع قد سُئل مرّة: «مَن الذي أدَّبـك كلَّ هذا الأدب؟»، فأجاب: «نفسي». فقيل له: «أَيُـؤدِّب الإنسان نفسه بغير مُؤدِّب؟»، قال: «كيف لا؟ كنت إذا رأيت في غيري حسنًا أتيته، وإن رأيت قبيحًا أبيته، بهذا أدَّبتُ نفسي». وهي حكمة يختصرها قول شعبي، كانت تردِّده حماتي كلَّما رأت في مجلسي مخلوقة «بلا مربى»، ولا لياقة في تعامُلها مع الآخرين، فتقول (رحمها الله): «تعلَّم الأدب من قليل الأدب».
لذا أكتب هذا المقال اعترافًا بجميل الرئيس بوش عليَّ، فمنه تعلَّمت الفصاحة والنزاهة واللياقة والحياء والإحسان والدفاع عن الجار والاستقامة والتسامح والتقوى والإخلاص في النيّة.
وما دام أحمد شوقي ترك لنا قوله الشهير:
قُمْ للمعلِّم وفِّهِ التبجيلا كاد المعلِّمُ أن يكونَ رسولا
فقد وجدتني أنتفض واقفة كلَّما ظهر لي بوش على شاشة التلفزيون، أو في المنام، بعدما وجدت فيه، إلى جانب المعلِّم، الرسول المبعوث رحمةً للعالمين. وكلّ ما أخشاه أن يكون تفانيه في خدمة البشريّة، وحرصه على تطبيق العدالة الكونيّة، بنزاهة المعلِّم وغيرته على رسالته، سببًا، لا قدَّر الله، في تقصير أجله، كما جاء في قصيدة إبراهيم طوقان الساخرة، التي يردّ فيها على شوقي، وينصح فيها مَن يودّ الانتحار بمزاولة مهنة التعليم:
ويكاد يفلقني الأميرُ بقوله « كاد المعلِّمُ أن يكون رسولا  »
لو جرّب التعليمَ شوقي ساعةً لقضى الحياةَ شقاوةً وخُمولا
يا مَن يريدُ الإنتحارَ وجدتَهُ إنَّ المعلِّم لا يعيشُ طويلا!
في الواقع، هالني البيت الأخير، وخشيت أن يُقدم بوش، لا قدَّر الله، على الانتحار، أثناء مشاهدته نشرة الأخبار مثلًا، بعدما كاد يموت اختناقًا، وهو يلتهم نوعًا من الكعك أمام التلفزيون. ولم ينقذه يومها إلّا دعوات «معسكر الخير»، وصلوات القدّيسة باربارة، والدته المصون. ذلك أنّني أخشى على الإنسانيّة افتقادها رجلًا لا يجود بمثله الزمن

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة