«إيفا فاركاس» يتأمل علاقة الرياضة والسياسة والفلسفة

«إيفا فاركاس» يتأمل علاقة الرياضة والسياسة والفلسفة

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الخميس 20 ديسمبر 2012 م على الساعة 10:17

  «إيف فاركاس» مثقف موسوعي وفيلسوف راكم رأسمالا رمزيا محترما في الحقلين الجامعي والفلسفي، إذ هو مؤسس ومدير سلسلة «فلسفات» ضمن منشورات الجامعية الفرنسية، ورئيس مجموعة الأبحاث والدراسات في المادية العقلانية والمشرف المساعد على معجم «جان جاك روسو» وقد نشر الكثير من الأبحاث حول الفلسفة المادية والماركسية والحركة الشيوعية. من كتبه «حوار داخل الحزب الشيوعي الفرنسي» (1978)، «المعجم النقدي للماركسية» (1981)، «مدخل الى إميل روسو» (1995)، «العراق: الحرب والحصار والأكاذيب والفيديو» (1999) وصولا الى «طريق دمشق» (2007).   كتابات «إيف فاركاس» منتظمة الموضوعات حول روسو والفلسفة المادية والعالم العربي وأسماء هذه الموضوعات والمجالات هي نفسها المفاتيح الجوهرية للبناء الفلسفي النظري الذي شيده إيفا فاركاس. وضمنه تشكل الرياضة موضوعا طريفا إذ يصلها بتاريخها الواقعي ويبحث في علاقتها بالسياسة الديمقراطية الليبرالية وتفكير الأنوار الفرنسي، وبالصيدلة والكيمياء والمنشطات والأموال القذرة. في الكتاب الذي حمل عنوان «الرياضة والفلسفة» لحظة صدوره سنة 1997، تروج لغات الرياضة والتاريخ والفلسفة والسياسة، وتتلاءم وجهة النظر المادية العقلانية التي تقرأ الرياضة بصفتها مكونا من مكونات الثقافة الشعبية في الزمن الديمقراطي الليبرالي.   صدر كتاب «إيف فاركاس» في نسخته العربية مطلع السنة الحالية بتعاون خلاق بين المترجم والناقد المغربي عبدالجليل الأزدي والناقدة الجزائرية بلعز كريمة. ولعله يستجيب إلى جزء من تأمل هذه المعادلة التي تحضر اليوم، إذ كيف ولدت الرياضة؟ ولماذا نجحت نجاحا عالميا بكيفية مذهلة وساحقة ابتداء مما بعد الحرب؟ الرياضة عنصر من مجموعة تسم بالثقافة الشعبية والتي توصف بأنها صيانة للفكر اليومي. لا شك أن الرياضة فرجة تحض على التفكير وليس الغرض منها التضليل أو التنويم أو التجهيل أو تكريس اللاتسييس والعزوف السياسي، وإنما هي طريقة نموذجية في التربية السياسية. وحسب «إيف فاركاس»، فوظيفة الرياضة وظيفة ثقافية. والرياضة آلة لإعمال الفكر وفرجة شعبية تدون أفكارا داخل أدمغة الناس. لقد رسخت الرياضة فكرة التقدم بكيفية أفضل مما يمكن أن يقوم به جيش من المعلمين والأساتذة في المعرفة والثقافة. الرياضيون يصنعون التاريخ دون أن يمتلكوا وعيا واضحا بالتاريخ الذي يصنعونه وتخضع السياسة نفسها للرياضة لدرجة أنها تحاكي وتقلد لغتها وطرائقها كي تمنح شرعية أخلاقية وديمقراطية وتقدمية، إن الرياضة واجهة للتقدم والديمقراطية.   لقد هزمت الرياضة الفلسفة فوق ملعب الفلسفة عبر تحقيق شعبية فكرة ذات منحى شعبي، ولم تنجح من قبل أبدا في أن تقوم وتتأسس بصفتها حقيقة أولى، إذ يقوم النجاح التاريخي للرياضة إلى اتصال التفوق بفكرة التقدم، فكرة تقدم الإنسانية التي اقترحتها فلسفة الأنوار في القرن 18 وجدت صعوبة في أن تصير شعبية.   يبدو العالم مغطى بالمباريات وكـأنه مرتهن داخل شباك عظيمة، وعندما تلمع ظاهرة على هذا النحو، فيجب أن يثير ذلك الدهشة الفلسفية. إن فهم الرياضة بصفتها عنصرا لإعادة إذاعة الأفكار والمعايير المجتمعية يوضح الضرورة التاريخية لأشكال الفرجة الشعبية. وتمثل الرياضة ضرورة سياسية ومهمتها جعل الناس ناخبين «ديمقراطيين» ومؤمنين حقيقة التقدم، وقد نجحت في ذلك أفضل من جميع كتب الفلاسفة وخطب البلغاء.   إن الرياضة ضرورية. غير أن ضرورتها لا ترتبط بالفرجة والمتعة والصحة والعضلات القوية المفتولة والجسم السليم الذي مافتئت الحكمة المكرورة تؤكد أنه وعاء العقل السليم، وإنما ترتبط ضرورتها بالحقل الفكري النظري

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة