أي استقلالية في ظل مشروع قانون المجلس الأعلى للسلطة القضائية؟

أي استقلالية في ظل مشروع قانون المجلس الأعلى للسلطة القضائية؟

  • عبداللطيف وهبي:محام
  • كتب يوم الإثنين 19 يناير 2015 م على الساعة 9:31

يبدو أن وزير العدل والحريات قد جعل من ميثاق إصلاح منظومة العدالة مرجعية وحيدة لدعم مشروع القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي يناقش حاليا بالبرلمان، رغم أن لهذه الهيئة من الاعتبار الأدبي لرعاية جلالة الملك لها أولا وثانيا لطبيعة مكوناتها، مما يجعلها مرجعية من ضمن مرجعيات أخرى لإصلاح العدالة وليست مرجعية وحيدة، وكيفما كان الحال فالقراءة الأولية لمشروع القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية تثير بعض الملاحظات على العديد من المستويات كما يلي:

أولا: على مستوى اللجنة
إن أعمال اللجنة التي قام باختيار أعضائها وزير العدل والحريات، وقام جلالة الملك باستقبالهم، تبقى في آخر المطاف مؤسسة لها نوع من الاعتبار الأدبي لطبيعة مكوناتها وللاستقبال الملكي لها، ولكن نتائجها تبقى مجرد رأي استشاري لا يلزم البرلمان في شيء، لكون الدستور لم ينص على هذه اللجنة ولم يمنح لقراراتها أي صفة إلزامية أو حاسمة، وأن البرلمانيين الملتزمين بتمثيلية الأمة وهم يبثون في مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالسلطة القضائية يبقون تحت مسؤولية ضمائرهم ومدى شعورهم بالمسؤولية.
ثانيا: على مستوى تركيبة مجلس السلطة القضائية
إن الشأن القضائي باعتباره مسألة دولة تخضع للنص الدستوري فهو من السلطات الثلاث وأحد المكونات الأساسية لنظامنا السياسي، يفرض علينا التعامل معه بشكل دستوري ووفقا للمفهوم المتوافق عليه لنظامنا السياسي ولمفهوم استقلالية القضاء كما هو متعارف عليه دوليا،  ووفقا كذلك لاتفاقيات ومعاهدات دولية صادق عليها المغرب، إلا أن استقلال القضاء لا يكمن بشكل حصري في طبيعة علاقته بالسلطتين الأخرتين، ولكنه يتدرج ليطرح مسألة استقلال القاضي بشكل ذاتي ومؤسساتي، فوجود مؤسسة تهم القضاء بشكل مستقل عن السلطات الثلاث لا تعني مطلقا أن هناك استقلالية للقاضي، خاصة إذا كان مصيره المهني خاضع لإرادة مؤسسة يهيمن عليها شخص واحد بما له من اختصاصات (اختصاصات رئيس مجلس السلطة القضائية بلغت 47 اختصاصا بدعوى مجرد مهام إدارية) ، لذلك فالمصلحة تقتضي أن نوسع من اختصاص الإشراف على الأسرة القضائية عبر مجلس أوسع يضمن حضورا قويا من خارج الجهاز القضائي وهو ما أقره الدستور عند تنصيصه على تعيينات خارج الجهاز القضائي في تركيبة مجلس السلطة القضائية.
ثالثا: على مستوى مفهوم استقلال القضاء
إن مفهوم الاستقلالية يقتضي أن نفصل بين القضاء الجالس والقضاء الواقف، لكون الأول يخضع لسلطة الضمير والثاني يخضع لسلطة الضمير بتقاطع مع التوجيهات والأوامر الصادرة عن السلطات التي يتبع لها (الفصل 110 من الدستور)، وهنا يتوجب الفصل في مفهوم كلمة قاض، فالدستور منح هذه الصفة للجهتين معا (القضاء الجالس والواقف) من منطق حماية ممارسة هذين الوظيفتين ومن طبيعة القرارات التي يتخذانها، غير أن الأولى تخضع للقانون وللضمير ولمفهوم العدالة، بينما الثانية تخضع للمصلحة ولضبط النظام العام ولإعمال الإجراءات الاحترازية حماية للأمن الوطني، فيصبح الأول مالك لسلطة التنفيذ وللإلزام، بينما يبقى الثاني خاضع أولا للرقابة القضائية والمسؤولية السياسية للسلطة التي يتبعون لها.
 وهنا يتوجب الإشارة إلى مسألة أن القضاء الجالس مستقل بشكل مؤسساتي ويجب أن يتحول إلى استقلال ذاتي للقاضي تحت رقابة سلطة القانون وإعمال العدالة، بينما القضاء الواقف فتنتفي لديه مسألة الاستقلالية مادام الدستور ينص على إلزامه بتعليمات السلطة التي يتبعون لها، ولكن له ما يكفي من الاستقلال الذاتي في إدارة الأمور اليومية كيفما كانت السلطة التي يتبعون لها وزير العدل أو الوكيل العام للملك فإنها تبقى في آخر المطاف سلطة رئاسية على النيابة العامة.
إن هذا الخلاف هو الذي يؤسس لمفهوم الاستقلالية ويجعلنا نكون جازمين أننا لا نرى مانعا (بل نراه واجبا) أن يكون هناك استقلال للسلطة القضائية في ما يهم القضاء الجالس، بينما نرى من غير المنطق أن يكون جهاز القضاء الواقف والمبني أساسا على التراتبية والأوامر أن نتحدث حوله من منطلق الاستقلالية المطلقة، ولكن دعونا نطرح السؤال التالي: هل هذا الجهاز القضائي المنصوص عليه في مشروع القانون التنظيمي للسلطة القضائية يتسم فعلا بالاستقلالية؟.
لا بد أولا أن نحدد ما هي هذه الاستقلالية التي يتوق إليها الجميع إذا توفرت حسن النية، فهي تبتدأ مع القاضي وشعوره بجميع الضمانات لإصدار حكم عادل، فتكون له استقلالية عن الأهواء واستقلالية عن الأموال واستقلالية عن السلط. وممارسته للقضاء هو اختيار يختاره القاضي لحياته، يعيش في كفافه ويتحمل عبأ مسؤوليته، ولضمان هذه الاستقلالية على القانون أن يجعل مصير القاضي في جميع الإجراءات المسطرية وقراراته الموضوعية تخضع لمجلس بشكله الجماعي يكون فيه النفاذ إلى استصدار قرار يهم المسار المهني ومجال أشغال القاضي، تحت سلطة مجلس متعدد الأطراف ذا تمثيلية خارج الجهاز القضائي، فيشكل مجالا لحماية القاضي وفرصة لمنع الزبونية القضائية والتحالفات المهنية البئيسة والتي تدفع القضاء في هذا الاتجاه أو ذاك الذي يجعل القاضي يحسم في الخلاف ولا يتدخل في السياسة بشكلها التفصيلي،  فهل هذا المجلس الذي هو موضوع مناقشتنا يتوفر فيه هذا القرار الجماعي؟.
رابعا: على مستوى اختصاصات الرئيس.
 الجواب على هذا السؤال يتضح مثلا من إطلالة سريعة على مجالات اختصاص الرئيس المنتدب للمجلس واختصاصات المجلس كهيئة، لنكتشف أن الرئيس له من الصلاحيات ما يجعله سيد القرار بدعوى أنها مهام إدارية لكنها في آخر المطاف لها أبعاد تخترق مجال الاستقلالية، بل هذه الاختصاصات ما يجعله سلطة توازي المجلس ككل.
فمن إحصاء عددي لمهام الرئيس المنتدب في هذا المشروع نلاحظ أن له 47 اختصاص مقابل 27 للمجلس، ونظرا لكون الرئيس عضوا في المجلس فإنه في نهاية المطاف يملك 67 اختصاصا إذا أضفنا هذا إلى ذاك ولجلالة الملك الضامن للاستقلالية القضاء خمس اختصاصات فقط.
  فيلاحظ أن للرئيس مثلا حق التمثيلية أمام السلطات، أي أنه الرئيس الفعلي لجهاز السلطة القضائية في مواجهة السلطات الأخرى، غير أنه سيلاحظ أن رؤساء السلطات الأخرى (رئيسا مجلسي البرلمان ورئيس الحكومة) يحدد مجال ممارسة سلطتهم زمنيا بواسطة نص دستوري، فرئيس المجلسين لا تتجاوز مدة انتدابهم سنتين ونصف ورئيس الحكومة خمس سنوات، ويبقى لرئيس السلطة القضائية السلطة مدى الحياة، خاصة وأن المادة 12 حددت ولاية المجلس في خمس سنوات، غير أن مدة هذه الولاية تقتصر على المنتخبين والمعنيين من طرف جلالة الملك، فبأي حق نحدد لأعضاء دون غيرهم؟ وكيف يمكن لنا أن نضمن استقلالية السلطة القضائية وهناك رئيس مدى الحياة؟.
 إن من التوازن القانوني وتوازن السلط أن نحدد نفس المدة للرئيس، أي خمس السنوات قابلة للتجديد، بدل استثناء الرئيس المنتدب أي رئيس محكمة النقض، خاصة وأنه يعين بدوره مثله مثل الشخصيات الأخرى من طرف جلالة الملك، فبأي حق نجدد لأعضاء دون غيرهم؟ وكيف يمكن لنا أن نضمن استقلالية السلطة القضائية وهناك رئيس مدى الحياة؟، إن هذا الرئيس يترأس أعلى جهاز قضائي بصفته رئيسا لمحكمة النقض، غير أن هؤلاء القضاة قاصرون انتخابيا فهم يمثلون بأشخاص منصوص عليهم دستوريا وليس لهم حق الاختيار لمن يمثلهم في المجلس بدعوى أنهم وصلوا إلى سدرة المنتهى القضائية، بينما هذه الصفة وطبيعة مستواهم الإداري والقضائي يضمن نوعا من الاستقلالية الشخصية التي تجعل حضورهم في المجلس الأعلى للسلطة القضائية دو دلالة إيجابية وانعكاس دو قيمة مضافة.
  كما للرئيس قبول الاستقالة وإحالتها على المجلس وهو الذي له سلطة تنظيم الانتخابات الجديدة، فكان من الواجب أن يقوم المجلس بالإشراف على العملية الانتخابية برمتها بقبول الاستقالة وإعلان الانتخابات وتحديد الإجراءات وتصحيح اللوائح وحصرها، لكون الإشراف الجماعي ومتابعة المجلس لإجراءات الانتخابات تجعل العملية الانتخابية تتم تحت مراقبة جماعية، لكون بعض القرارات التنظيمية تبدو إدارية في عموميتها ولكن في عمقها يمكن أن تؤثر على سير الانتخابات برمتها مما يقتضي أن تحال القرارات والإجراءات واللوائح على نظر المجلس للبث فيها قبل نشرها، ولكن القانون وضع الانتخابات القضائية التي هي مناط وجود هذه المؤسسة وضمان استقلاليتها بين يدي الرئيس المنتدب وحده، وهذا إخلال خطير يمنح للرئيس المنتدب سلطة كبرى في التأثير على النتائج الانتخابية.
و نفس الشيء بالنسبة للتأديب حيث جاء النص وربط المفتشية العامة مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وهذا أكبر إخلال يمس بالتوازن وبمبدأ قرينة البراءة، لكون المجلس يملك السلطة التأديبية، أي مرحلة من التقاضي إذ يصبح صاحب القرار هو من يملك سلطة التفتيش والبحث والتحري وعلمتنا الممارسة أن بعض الملفات يتم الحسم فيها نهائيا أثناء البحث والتحري من خلال توجيه هذا البحث أو ذاك فهذا الرئيس المنتدب هو قائد البحث والتحري والمساهم في القرار بل هو من يقترح من سيقوم بمهام المفتش العام الذي يعين بظهير، أي بشكل أو بآخر يكون خاضعا للرئيس المنتدب مادام هذا الأخير يملك سلطة الاقتراح بالتعيين، ومن تم كان يجب فصل المفتشية العامة عن مجلس السلطة القضائية، لتقوم بإجراءات التفتيش وزارة العدل ويحال التقرير والملف عند التأديب على المجلس الأعلى للسلطة القضائية ليبث فيه وفقا للقانون ولقناعتهم وباستقلالية عن وزارة العدل. أما وأن يقوم بالتفتيش جهاز تابع لمجلس السلطة القضائية ويبث المجلس تأديبيا برئاسة الرئيس المنتدب أي رئيس محكمة النقض ويتم الطعن فيه أمام الغرفة الإدارية بمحكمة النقض والتي يترأسها هو نفسه الرئيس المنتدب للسلطة القضائية، فنصبح في لحظة من اللحظات عند الطعن في قرار المجلس التأديبي للسلطة القضائية أمام خصم يترأس محكمة تضم الغرفة الإدارية.
إن هذا الخليط يفقد القاضي استقلاليته ويجعله يخضع بحكم التبعية الإدارية إلى رئيس محكمة النقض أو إذا أردنا إلى الرئيس المنتدب لمجلس السلطة القضائية إذا استطعنا الفصل بينهما.
إننا نعيش مأزق اسمه مفهوم الاستقلالية عندما نرهنه عند تفسيره بعلاقته بالسلطات الأخرى، ونسينا أن الاستقلالية مرهونة بطبيعة مكونات السلطة القضائية نفسها.
والغريب في الأمر أن غياب هذا الرئيس المنتدب يجعل الاختصاصات تحال على الوكيل العام الذي ليس قاض جالس بل قاض واقف يخضع لسلطة القضاء الجالس وكان يتعين أن يقوم بمهام النيابة عن الرئيس في غيابه أثناء الاجتماعات الإدارية لمجلس السلطة القضائية هو رئيس الغرفة الأولى لمحكمة النقض احتراما لاستقلالية السلطة القضائية من خلال رئاسة القضاء الجالس.
خامسا: على مستوى العلاقة مع جلالة الملك.
لقد جاء الدستور واضح خاصة في مقتضيات الفصل 107 والفصل 115. فمنطلق 107 هو صفة جلالة الملك باعتباره الضامن لاستقلالية السلطة القضائية، وهذه الضمانة تكمن أساس في ما ينص عليه الفصل 115 من الدستور باعتبار جلالة الملك هو الذي يرأس المجلس الأعلى للسلطة القضائية ولجلالة الملك في هذه المهمة ليس صفة شرفية ولا صفة اعتبارية فقط، بل هي رئاسة فعلية لكون نفس الفصل كان ينص عليه دستور 1996 فماذا تغير الآن ونحن نتعامل مع نفس السلطة؟ وسبق أن صدرت قرارات قضائية تعتبر أن مقررات المجلس الأعلى للقضاء في دستور 1996 مجرد اقتراحات على جلالته، خاصة وأن الفصل 56 من دستور 2011 قد أكد على أنه هو الذي يرأس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بل إن الفصل 57 من دستور 2011 ينص على أن جلالة الملك يوافق بظهير على تعيين القضاة، أي أن قرارات المجلس الأعلى للسلطة القضائية مرهونة بموافقة جلالته، فأين تكمن هذه السلطة التي لجلالته على قرارات المجلس الأعلى للسلطة القضائية؟
إنه بالإطلاع على مضمون المشروع نلاحظ أن جلالته على مستوى التعيين تكمن في تعيين الرئيس والوكيل العام والشخصيات الخمسة ثم الأمين العام والمفتش العام، إلا أن الآلة حينما تتحرك فإن جلالة الملك بعد تنصيبه للمجلس يصبح الرئيس المنتدب هو الرئيس الفعلي الذي يقوم بإدارة الشأن القضائي، غير أنه يطرح سؤال جوهري هو أين تنتهي سلطات الرئيس المنتدب وأين تبدأ سلطات جلالة الملك؟.
 إن الفصلين 56 و115 من الدستور تمنحان لجلالة الملك هذه الرئاسة التي أشرنا إليها سلفا، بينما الفصل 113 من الدستور يمنح فقط سهر المجلس على الضمانات الممنوحة للقضاة فيما يخص استقلاليتهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم، أي يسهر على هذه الضمانات من حيث إعمالها ومن ثم فإن المجلس الأعلى للسلطة القضائية ليس له سلطة التعيين وفقا للدستور، بل فقط سلطة الاقتراح لكونها مرهونة بموافقة جلالة الملك وفقا للفصل 56 من الدستور من خلال التعيين بظهير، والمعين بظهير لا يمكن إقالته أو إلغاء ما منحه الظهير من موقع أو سلطات إلا بواسطة ظهير مماثل أو بواسطة القانون احتراما لمبدأ توازن الأشكال، ومن تم فإن قرارات المجلس الأعلى للسلطة القضائية تبقى في مجملها اقتراحات على جلالته بصفته الرئيس ومن له السلطة بالموافقة استنادا على الظهير والعهدة على الفصل 56 من الدستور.
إلا أن مشروع القانون التنظيمي نص على خمس حالات يعود فيها الاختصاص لجلالة الملك، منها إبلاغه باستقالة عضو المجلس المعين من طرفه أو بانتهاء مدة الانتداب بينما يرفع الرئيس إلى الملك تقرير عن أشغال الدورة ثم تقريرا عاما ويوافق الملك بظهير على تعيين القضاة، غير أن هذه الموافقة جاءت خجولة ومحتشمة في المشروع لأنه كان من المفروض أن ينص القانون على أن جلالته يصادق على أشغال المجلس ككل وليس فقط الموافقة على التعيينات، بل كل أشغال المجلس باعتباره الرئيس المباشر هو صاحب القرار بالموافقة بالظهير على التعيين، ويترتب على هذا التعيين نتائج قانونية تظل مرتبطة بصاحب قرار التعيين، وهي التي تدخل في إطار الضمانة الأساسية التي على مسؤولية جلالته نحو استقلال السلطة القضائية، لذلك فالنص القانوني حاول أن يتلافى ذلك الإعمال الواسع لمفهوم دور جلالة الملك كضامن أساسي لاستقلال القضاء إلى وضع سلطات واسعة بيد الرئيس المنتدب مع منح الصفة الاستشارية للمجلس، وهذا مخالف لمبدأ الاستقلالية التي كنا ننادي بها، ويبقى السؤال هل نحن أما إخلال دستوري؟ أم أننا أمام إخلال في توازن السلط؟ لقد حدد الدستور مجالات تدخل جلالته في كل سلطة على حدة ولا يمكن أن نتحايل عليها من خلال إعطاءه دور بروتوكولي يمس بدوره الضامن لاستقلالية القضاء، إن استقلالية القضاء كلمة حق لا يجب أن يقصد بها باطل، لكن مع الأسف هذا ما يتم الآن لا على مستوى المجلس ولا على مستوى النيابة العامة، فلماذا يا ترى سنقود هذا البلد على مستوى عدالته والتي يجب أن تكون أساس ملكه؟ 
سادسا: على مستوى العلاقة مع وزير العدل
أما وزير العدل فيبقى هناك احتمالين: إما أن يرأس النيابة العامة وهو ما لم ينص عليه مشروع القانون، أو سيبقى دوره مرتبط بمقتضيات الفصل 93 من الدستور والذي يجعل الوزراء مسؤولون على تنفيذ السياسة الحكومية كل في إطار القطاع المكلف به في إطار التضامن الحكومي، ووزير العدل طبعا سينفذ السياسة الجنائية (كما هو منصوص عليها في الفصل 51 من قانون المسطرة الجنائية) كجزء من السياسة القطاعية لوزير العدل وفقا للفصل 93 من الدستور.
 وهنا يطرح سؤال بليد مفاده: من سنحاسب على ماذا؟ وزير العدل يضع سياسة قطاعية جزء منها سياسة جنائية، والوكيل العام حسب مشروع القانون الذي هو رئيس النيابة العامة هو من سينفذ هذه السياسة القضائية وجزء منها السياسة الجنائية، فنصبح في حالة اندثار لمفهوم المحاسبة بناء على المسؤولية، هل نحاسب من وضع السياسة؟ أم من نفذها؟.
 إنه من العبث أن نؤكد أن من يضع السياسة الجنائية من خلال السياسة القطاعية قابل للمحاسبة وللخضوع للرقابة البرلمانية، بينما من ينفذها (إذا افترضنا أنه قام بذلك) غير خاضع للمحاسبة ومن ثم نخرق الفصل الأول من الدستور الذي ربط المسؤولية بالمحاسبة ونص على مفهوم الديمقراطية البرلمانية وبالتالي نضع حرية الناس وذمتهم وأموالهم خارجة عن الرقابة البرلمانية.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة