أشباح الماضي تتمرن على استئناف نشاطها ...

أشباح الماضي تتمرن على استئناف نشاطها …

  • عبد الحميد جماهري
  • كتب يوم الثلاثاء 20 يناير 2015 م على الساعة 18:02

يبدو أنه لا مواهب لنا تذكر في السلم الدستوري، وأن الإبداع كله الذي نحن مطالبون به يجب أن يكون في الحرب السياسية التي يكون من نتائجها، نسيان ما تحقق.
كيف ذلك؟
في قراءة الوضع الحالي يتم العودة إلى تاريخ 20 فبراير من أجل أن يكون مبررا لتاريخ الحرب الفئوية ، لا السلام المشترك حول نص دستوري ما زال حبره طريا.
فالكل اليوم، بدون استثناء تقريبا، يقول بأن هذه الحركية التي وردت في سياق تاريخ عام لمنطقة شرق المتوسط وغربه حركة مباركة، وأنه كان من كتابها، ولا يستقيم المنطق الاستحواذي على عمقها بدون اتهام الآخر بأنه خانها، أو أنه كان ضدها.
وفي هذه النقطة كل الاضداد تتلاقى، ويتم نسيان من كان فعلا في الحركة ومن كان خلفها، حاملا كل سكاكين المطبخ السياسي المغربي لكي يرديها معاقة.. ومن أرادها صامتة يقول على لسانها ما يريد، ومن أرادها فرصة لاختبار الحس التاريخي لمؤسسات البلاد كلها ، وقدرتها على التجاوب من أجل التجاوز،
وهو ما يستحق بالفعل أن يفكر الذين رافقوها، وأطلقوها وشاوركوا فيها أن يؤرخوا لها.حتى لا يقع لها ما وقع لتاريخ استقلال البلاد، مع الفارق في الطبيعة والدرجة وعدم الخلط بين الاستقلال وتاريخه السياسي.
فقد رأينا كيف أن الذين صنعوه وجدوا أنفسهم في وضع المضطهد والمحارب والمنفي والقتيل وو.. وأن الذين كانوا في الطرف الآخر من القضية أصبحوا يتحدثون باسمه، ويصنعون المغرب باسمه، وإن منهم الخونة وأبناءهم الذين ساروا علي نهجهم ممن يعيدون ترتيب البلاد: ها هنا مقبرة ، وها هناك صندوق مفتوح للتأويلات. ها هنا أمل، وهناك مسمار من طاولة قديمة يجرح يد الديمقراطي الذي يصوت.
وكتابه تاريخ الحركة التي باركها المغاربة بحسب المواقع والسقف الذي اختاره كل واحد لا بد منه، لنعرف أولا من دفع الثمن ، ونعرف من الذي رافقها في عنفوانها وكان إلى جانب مطالبها، ونعرف من طاف البلاد دفاعا عنها وعن دستورها، ومن شكك وانتظر إلى أين ستميل الرياح الشرقية لكي يحدد وجهته.
في كتابة التاريخ هناك دوما سوء نية تمليه المصالح والنفوس الصغيرة، لكن تضيع فيه الحقائق، التي تضطر أجيال أخرى من بعد، الى أن تعيدها كي يستقيم المنطق وتستقيم الدولة التي يكتب لها هذا التاريخ.
في الفصل المتعلق بتصريف التغيير في الدولة ، نستعمل المنجز المتفق عليه عالميا،صندوق الاقتراع.
في بداية التصريف ، كانت الغاية محدودة في إيجاد الجواب الجماعي الذكي، للدولة والمجتمع معا، على تحرك شبيه بانزلاق القارات في تاريخ الجغرافيا الكونية، وبعدها ترتيباته في الحكومة وفي البرلمان قبلها ، وفي التحالفات وفي الدولة الجديدة للمشترك السياسي بين فاعلين سياسيين على طرف نقيض.
اليوم، بعد تعطيل الأجندة المرافقة للمسار الأول، لمدة تفوق السنتين يعود الحديث عن الانتخابات، التي من فرط تداولها لم تعد تليق بما بعد 20 فبراير ولاما بعد دستور 1 يوليوز.
الانتخابات، التي يتم التهييء لها، يبدو أنها أصبحت، في حد ذاتها تدريبا على عودة التاريخ السياسي القريب إلى استنئناف نشاطه في المؤسسات وفي النقاش العمومي،إننا نستدعي كل أشبح الماضي لكي تقوم بواجبها في إفراغ دستور الحركة المباركة، والإرادة المباركة ،،،،، من هذه الأشباح بالذات ..
والأشباح هي بالمرتبة الأولى المخاوف من عودة الشك والتأرجح والتردد حول العمليات الاقتراعية، التي تعد المحك الحقيقي للانتقال الديموقراطي، أو لنقل الاستقرار في الديموقراطية. والأشباح هي أيضا ، التصورات والعناوين الكبرى التي صاحبت العمليات السابقة، منذ التمرينات الأولى،« تحت نيران العدو» ، على التصويت ، وإلى عودة الحزب السري، على لسان المعارضة الجديدة.
والأشباح هي أيضا الترتيبات التي ترافق الانتخابات المرتقبة في الزمن القريب، بعد أن أخطأت موعها مع الزمن الجديد، ترتيب التقطيع، والمؤسسات المشرفة على العمليات الاقتراعية ، والأدوار المتوقعة للمال وللدين، « نتائج ما بين المسجد والبانك!». ، التأثير الممكن أن يحدث بفعل التداخل بين السياسة والإدارة..وقد تتخذ شكل التخوف من الكوطا، المعلنة أو المضمرة بفعل المكر الانتخابي القديم!!
كل هذه الأشباح يبدو أنها تفصل اللباس السياسي الذي ستعود به، ولم نسمع من الترانيم الخائفة اليوم كيف سيكون مآلنا في هذه السيناريوهات المطروحة، أي ما الذي سيطبع التاريخ الأعمق، لوضع مثل وضعنا نستأنس بمآلات سابقة، ذات بعد دولي: فعندما أنهى العالم السلام المسلح، المسمى جدلا بالحرب الباردة، كانت الحروب الأخيرة في الكتب والأشرطة المصورة وعلى قنوات ناسيونال جيوغرافيك، تكاد تعلن نهاية الفزع البشري، واستقرار العالم في أحادية سياسية تحكمها الولايات المتحدة والغرب المنتصر في حربه الايديولوجية، وكان العالم العربي، ومنه جزء من تاريخنا يتحين الفرصة لكي يكون له موقع قدم في الشمس الباردة التي تخرج من ثنايا الجليد وحروبه المرادفة للصراع بين غرب وشرق.
بعد 11 شتنبر، بدا أن تلك الطمأنينة للأحادية الامريكية قد لقيت حتفها، وأن جزءا من الذين فعلوا ذلك، كانوا في غياهب التاريخ، وعادوا منه بوصية واحدة ، العودة إليه لكي يكون لشعوب القهر دورها في عالم لم ترتسم معامله بعد.
ماذا وقع بعد ذلك؟
لا أحد فكر جديا فينا في السؤال، وبسرعة وجدنا الجواب، مع ذلك ، يبدو أننا نجحنا في أن نجعل التاريخ كتلة براغماتية تنفع في إثارة المخاوف أكثر مما تنفع في أن تكون قاعدة للتفكير الجماعي فيما يأتي بعده.
لم نلتقط بأننا استطعنا في مراحل عديدة أن من نصنع أسلوبا خاصا، من الذكاء الجماعي قبل الكفاحية الفئوية أو الأجندات المتصلة بالهيآت القديمة والجديدة للفاعلين السياسيين، في الخروج من الأبواب المسدودة ما بعد 1989،وسقوط الجدار والقراءة الوطنية التي تمت وقتها بالرغم من محدوديتها الكبيرة، وأحداث فبراير 2011 وما تلا ذلك من الربيع العربي الديموقراطي وحساباته الدولية ، والجواب المغربي العميق ، والعميق المشترك..
وبسرعة أيضا دخلنا مرحلة ما بعد التغيير لتعطيله..
جوانب كثيرة في هذه التقلبات غيبت البداهة التاريخية التي عشناها، ومفادها أن الترتيبات المحكومة بنفس سياسوي قريب من أرنبة الأنف تعود على بلدانها بضيق في الصدر، وصعوبة في التنفس.وربما برودة في المفاصل.. ويصدق هذا القول على كل مكونات الحقل السياسي الوطني بدون استثناء.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة