لماذا تؤول شخصياتنا التاريخية إلى النسيان؟ | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

لماذا تؤول شخصياتنا التاريخية إلى النسيان؟

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 24 يونيو 2013 م على الساعة 15:14

كثير من الشخصيات صنعت تاريخنا العربي الجمعي والحضاري، ولكن أكلتها دهاليز النسيان، بل هناك من احترقت فقط لأنها ابنة شخصية مرموقة، خطت على جهدها.    من بين هذه الشخصيات محمد باشا أو محمد ابن عبد القادر ابن محي الدين الحسيني الجزائري، الذي ولد بقرية الكتان المعسكر، مسقط رأس والده الأمير عبد القادر، الشخصية المعروفة في سنة 1256 الموافقة لـ 1840 ميلادي، وتوفيا بالاسيتانا سنة 1913، حيث تعلم وأخذ المفاهيم الأولى للدين، بما فيها الصوفية الـراحل اعتقال والده، ومن تم مضى إلى تركيا قبل أن يستقر به المقام في سوريا، التي مكث فيها مع والده حتى أصبح من أحد أعيانها.    من هناك التحق بالجيش العثماني، وحصل على رتبة «فريق»، الأمر الذي لم يرق لوالده الذي لم تكن علاقته بتركيا على ما يرام، نظرا للعقلية التسلطية التركية التي تجلت بقوة، في وقت لاحق، مع جمال باشا سفاح حاكم بلاد الشام الذي كان وراء اغتيال أحد أبنائه. ونظرا لوقوفه وقتا طويلا مع والده وعيشه في حله وترحاله، فقد جمع محمد باشا بن عبد القادر وثائق كثيرة تهم حياة والده، وجمعها ودونها، وكتب الصيغة الأولى من كتابه «تحفة الزائر»، قبل أن تسرق منه، كما يقول في المقدمة «فسطت عليه يد من بارك الله في أصله ونسله، وسرقته عمدا من خزانتي».   ويعيد كتابه من ذكرياته بشكل مقارب للصيغة الأولى. وبتكليف من والده في سنة 1871 بدأ في كتابة سيرة هذا الأخير، وعكف على تدوين تفاصيلها، فجمع ما تفرق منها وسماها «تحفة الزائر» في مآثر الأمير عبد القادر وأخبار الجزائر في جزئيين، الأول في سيرة الأمير عبد القادر في حروبه مع الفرنسيين، والثاني سيرته العلمية، وهو كتاب يفيد المؤرخ في معلوماته، كما يقول مقدم هذا الكتاب وشارحه الدكتور ممدوح حقي، في طبعة 1964، والذي يقدم عنه فكرة تحتاج إلى إعادة نظر، ليقول «إن ما حمله هذا الكتاب من بساطة وسرد، يساعد المؤرخ على التقاط النظرة العربية من غير مشقة.   لم يكن المؤلف يعرف من اللغات إلا العربية، ولم يدرس سوى علوم الدين، ولم يطلع في العلوم العصرية على شيء. فكيف نريد من ابن القرن 19 أن يلم بعلوم القرن 20، وهو لم يعشها؟ وكيف نطلب من رجل قضى معظم حياته في الجهاد أن يتفرغ لما يتفرغ له الخلي المسالم المرهف؟ وهو أمر يدعو إلى تساؤلات كثيرة، وبعض الغرابة.   أولا، بالنسبة للغات، فقد كان متقنا للغة العربية في معناها الأكثر كلاسيكية، لأنه كتب بها، ولكن من الصعب التوقف عند هذه اللغة وحدها، خاصة أن المؤلف رافق والده منذ صغره، وعاش معه في منفاه الفرنسي مدة خمس سنوات. في هذا الكتاب إشارة إلى العديد من المراجع الفرنسية ومنها كتاب دي لامار الذي حاول الأمير عبد القادر في حياته منعه.   بل أكثر من ذلك، يصرح في مقدمة «تحفة الزائر»، انه استعان بالكتب الفرنسية، وقام بترجمتها، يقول: «استخرت الله تعالى وشمرت على ساعدي بالجد والاجتهاد، لجمع ما استعين به من المواد، فجلبت وقائع وتواريخ المدونة باللغة الإفرنجية وتكلفت ترجمتها إلى اللغة العربية بنفسي، وبعد مطالعتها وإمعان النظر فيها، وجدت مؤلفيها قد أصاب، والبعض الآخر قد أخطأ جادة الصواب، ومن المستغرب أن يصل عسكري إلى رتبة فريق، وهو لا يعرف اللغة التركية، مثلا، فمحمد ابن عبد القادر كان يتقن على الأقل ثلاثة لغات هي العربية والتركية والفرنسية.   وعلى الرغم من شح المعلومات في تكوينه إلا أنه من الطبيعي أن يكون عسكري مثله قد اطلع على النظم العسكرية الأوروبية، وساعدته في ذالك ثقافته ولغاته المتعددة، فهناك تسرع كبير للأحكام للأستاذ ممدوح حقي. ولكن هذا الرجل، والحقيقة تقال، لعب دورا مهما في الحفاظ على ميراث الأمير وأبنائه. ولمحمد باشا مؤلفات أخرى لها علاقات حية بما كان والده يمارسه، مثلا اهتمامه بالجياد والسهر عليها، مثل عقد الأجياد في الصافنات الأجياد ومختصره، وقد طبع الكتاب في المرة الأول في سوريا وأعيد طباعته في المغرب قبل سنوات قليلة ومجموع ثلاثة رسائل ما تزال مخطوطة إلى اليوم، الأولى ذكرى دوي الفضل في مطابقة أركان الإسلام للعقل، والثانية كشف النقاب عن أسرار الاحتجاب، والثالثة الفاروق والترياق في تعداد الزوجات والطلاق.    وقد جرى فيها مجرى والده في التأليف باهتمامه بالقضايا الاجتماعية المتعلقة بالدين والعقل والزواج والطلاق، وغيرها مما يشغل المسلم في ذلك الوقت. العودة إلى هذه الشخصيات هي عودة إلى الذاكرة الجمعية التي بدأت تنطفئ في زمننا، مع أنها أوجدت توازناتها التاريخية لتنتج مادتها الفكرية والعلمية، التي غيرت وجه الوطن العربي والمغرب العربي أيضا.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة