أنا من ضيّع في الأوهام عمره | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

أنا من ضيّع في الأوهام عمره

  • احلام مستغانمي
  • كتب يوم الإثنين 02 فبراير 2015 م على الساعة 20:13
كنتُ أعتقد . .
أنّ الشعر هو الرجل الوحيد الذي منحني اسمه دون أن يطالبني بالوفاء، وهو الحبيب الصبور الذي يجوز لي خيانته حين أشاء ، ووضعه خارج غرفتي متحججة ليلاً بالإرهاق ، مذ أصبحتُ أمًا ليلها لأطفالها الرُضع ، لا لوجعِ الأشعار .كنتُ أعتقد . .
أنّ هناك قصائد ليليّة ، قابلة للتأجيل ، ما لم تؤجّجها الشهوة . إلى أن قرأت قولاً للأبنودي  » إذا خنتَ الشعر مرة واحدة خانك إلى الأبد  » . فأدركت لماذا بعد أشهر ، حين دعوتُ قصيدة صباحيّة لتحتسي معي فنجان قهوة، لم تحضر . . واعتذر عنها الشعر .

كنتُ أعتقد . .
أنّ ثمّة مسلّمات غير قابلة للجدل ، وقناعات ليس من المسموح أن نعيد فيها النظر ، إلى أن سمعت بمثل فرنسي يقول  » وحدهم الأغبياء لا يغيّرون رأيهم ، لأنهم لا يملكون القدرة على التأمّل « . فأقلعت عن سماع الخطب ، وأدركت لماذا في نوبة جنون ، أنفق أبي ما بقي له من مال في إهدائي مكتبة .

كنتُ أعتقد . .
أنّني امرأة لا تخاف جبروت الضوء المسلّط على الكلمات ، وأنني امتلكت الحقيقة يوم أدخلت الكهرباء إلى دهاليز روحي ، وما عدت أخشى » الكتابة في لحظة عري » مُذ كستني الكلمات .
إلى أن قرأتُ قول مارغريت دوراس  » لم أكتب قط في حياتي وكنت أظنني أفعل ، لم أحبّ قط في حياتي وكنتُ أظنني أفعل ، لم أفعل في حياتي شيئاً غير الانتظار أمام باب مغلق  » .
فأدركتُ أنّ للحقيقة أكثر من باب ، وأنّني لم أخفِ سوى ما ظننتني وضعته تحت الضوء . . وأنّ بعض الحبر ظن.
كنتُ أعتقد . .
أنّ البحر لم يُخلق لغير البواخر والحيتان ، ووقفتُ مذعورة « على مرفأ الأيام « ، فلا أحد كان جاهزاً أن يُعلّمني كيف تسبح الأسماك الصغيرة ، وتُعاشر البحر دون ذعر .
إلى أن قرأت  » المركب الثمل  » لرامبو ، فأدركتُ أنّ البحر خُلق ليستدرج العشاق للغرق ، ثمّ يضحك وجثثهم تطفو على سطح الماء مفتوحة الذراعين ، فقد كان يدري أنّهم من كلّ حبّ يعودون بخفيّ حُنَين .
لذا ركبتُ الحبر ، و جذّفتُ بيدٍ واحدة هرباً من البحر ، صنعتُ لي زورقاً من ورق ، حمولته الكلمات و ما تحتاجه سمكة من أكاذيب ، فالكتابة تجذيف بقلم ، كي لا ننتهي في جوف الحوت .
كنتُ أعتقد. .
أنّ الأوطان أمّ تمسح بالقُبل دمعنا ، وأنّنا لن نتيه لأنّنا نُمسك بتلابيب ملايتها في غربتنا ، ونُخبّئ عن المخبرين أشعارنا في عمق صدرها .
كنتُ أعتقد . . أنّها ستبارك كتاباتي ، بزهو أمّ تسمع ابنتها  » تلاغي  » بأولى كلماتها . لكنّها وشت بي ، وأمدّتهم بمنديلها للجم فمي ، وحاكمتني بتهمة النطق ، و عذرتها حين قرأتُ قول الماغوط  » ما من موهبة تمرّ بلا عقاب  » .
كنتُ أعتقد. .
أنّ أجمل الميتات ميتة كليوبتلرا ، وهي ترتدي لموتها الثوب الذي رآها فيه أنطونيوس لأول مرة ، وكأنها ذاهبة لموعدها الأخير معه ، أو ليتعرّف عليها بين الموتى . حتى قرأت قولاً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه  » كفّنوني في الثياب التي كنت أصلّي فيها  » ولم يكن في خزانتي ثوب لملاقاة ربي . . فبكيت ، وأحضرت ثوباً للصلاة .

 

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة