تعثر الإصلاح الديني: مسؤولية الأنظمة والإسلاميين | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

تعثر الإصلاح الديني: مسؤولية الأنظمة والإسلاميين

  • محمد الساسي
  • كتب يوم الخميس 05 فبراير 2015 م على الساعة 14:46

تَعَثـَّرَ مشروع الإصلاح الديني في المنطقة العربية الإسلامية، وكانت لذلك آثار مدمرة على حاضر الإنسان المسلم. العمليات الإرهابية، التي تتم باسم الإسلام في هذه المنطقة أو تلك من العالم، والتي مثلت، مؤخرا، مجزرةُ شارلي إيبدو ومتجر المواد الغذائية اليهودية، في باريس، مثالا لها، تشخص الفشل في ترسيخ نموذج إسلام متسامح ومتنور في أذهان عدد من شباب المسلمين. لكن تعثر مشروع الإصلاح الديني لا يمثل، طبعا، إلا واحدا من العوامل التي تساهم في إنتاج الإرهاب وليس العامل الوحيد. فمن، يا ترى، يتحمل مسؤولية هذا التعثر؟
هناك، في نظرنا، ثلاثة أطراف، على الأقل، في منطقتنا، يتحمل كل منها قسطا من المسؤولية المشار إليها، وهي: السلطوية، أولا؛ والحركات الإسلامية -أو بعضها على الأقل- ثانيا؛ والمثقفون، ثالثا.
الأنظمة التقليدية تناهض، في الأغلب، مسار الإصلاح الديني الحقيقي حتى وإن أعلنت، من حيث الشعار، انتماءها إلى الإسلام «الوسطي المعتدل»، فهي، من حيث التفاصيل، تفضل التسويق لإسلام الجمود والانغلاق والماضوية، لأنه يساعدها في ترسيخ نظام الرعية عوض نظام المواطنة، ونظام «الطاعة لولي الأمر» عوض نظام احترام القانون، ولإعطاء المشروعية لبقاء الفريق الحاكم، نفسه، في سدة الحكم، واستمرار البرنامج، نفسه، والتوجهات، نفسها، ولمحاربة حرية الرأي، ولمنع الحق في نقد قرارات الحاكم أو في محاسبته أو حق المنازعة في شرعية امتيازاته.
الحكام، في منطقتنا، يمنعون الكاريكاتور بدعوى عدم انسجامه مع تقاليدنا الدينية؛ والحال أنهم، في الأصل، يريدون حرمان معارضيهم من حق استعمال سلاح تعبيري وسلمي فتاك معروف في كل النظم الديمقراطية. ومؤسساتنا الدينية (مثل المجلس العلمي الأعلى في المغرب) تفتي بقتل المرتد ثم تدعي انتسابها إلى إسلام وسطي معتدل؛ فإذا كانت هذه الفتوى جزءا من منهج الاعتدال، فكيف يكون التطرف؟ إنها فتوى تقدم رسالة في غاية الخطورة وهي تسويغ القتل، دينيا، كجواب عن ممارسة الفرد للحق في الاعتقاد.
الكثير من مواطنينا لا يعرف مناط وفلسفة حرية التعبير لأنه محروم منها ولأن الحكام يكرهونها ويعتبرونها ضد مصلحتهم ويصنعون كل شيء لكي لا يتمكن الشعب من تذوقها واكتشاف لذتها وتمثل معناها واستكناه سرها. لقد سبق أن أفتى الخميني بقتل مؤلف رواية، فكيف ننتظر من مريديه اليوم استنكار حصول جريمة القتل التي طالت صحفيي شارلي إيبدو.
وتركيا، اليوم، تحاكم أحد رسامي الكاريكاتور لأنه «تطاول» على الرئيس، فالذي له مشكلة مع الكاريكاتور سيكون من مصلحته، طبعا، تهويل أي موضوع تتناوله الرسوم، لأن مشكلته الأصلية هي مع هذا الجنس التعبيري بغض الطرف عن الموضوع أو المضمون.
المؤسسات الدينية الرسمية، في المغرب، لزمت الصمت ولم تدع إلى التظاهر ضد جريمة قتل الصحفيين أو احتجاز يهود في متجر، والحكومة رفضت المشاركة في المظاهرة العالمية التي عرفتها باريس للتنديد بالجريمة، بدعوى رفع بعض المتظاهرين لرسوم مسيئة إلى نبينا الكريم؛ ففضلا عن عدم صواب الحكم على مظاهرة مليونية، بكاملها، انطلاقا من شعارات قد تكون رفعتها قلة من المشاركين فيها، فإن ممثلي الدول الإسلامية الذين ساهموا في المظاهرة فعلوا ذلك انطلاقا من واجب إدانة الإرهاب ولا يعتبرون أنهم بذلك يزكون الرسومات. كل من يختار السكوت عن عمليتي باريس والتظاهر، فقط، ضد الرسوم المسيئة يكيل، هو أيضا، بمكيالين. من حق أي مسلم، أو غير المسلم، أن يعبر، سلميا، عن موقفه من أي رسم أو نص أو موقف يرى فيه إساءة إليه، ولكن ليس من حق أحدنا أن يحول هذا التعبير المشروع، عمليا، إلى تزكية للقتل والإرهاب. الكل يعلم بأن إحجام الحكوميين المغاربة عن المشاركة في المظاهرة الباريسية راجع إلى التوتر الذي حصل في العلاقات المغربية الفرنسية ورغبة المغرب الرسمي في التعبير عن غضبه منفرنسا (قضية عبد اللطيف الحموشي)، ولكن تقديم هذا الإحجام على أنه تعبير عن استنكار للرسوم المسيئة إلى الرسول لا يمكن إلا أن يخدم النزعات، التي يريد البعض تعهدها داخل المجتمع، والتي تكرس الاستهانة بخطر الأفعال التي أقدم عليها الأخوان كواشي وكوليبالي، واعتبارها، ضمنيا، عقابا إلهيا عن «الجريمة الحقيقية»، والانطلاق من أن هناك مشكلة واحدة هي أصل كل المشاكل وهي الرسوم، أما «الباقي» فهو مجرد ذيول وتبعات، وأن على كل جهة أن تتحمل تبعات أفعالها !
ولقد سبق أن استـُعملت قضية الرسوم المسيئة إلى النبي، بمباركة رسمية وبشكل ظالم، في إطار تصفية حساب مع مجلة مغربية ذات خطاب نقدي حاد تجاه النظام، ونـُظمت ضدها مظاهرة، باسم الدفاع عن نبينا الكريم. وهكذا ظهر أن بعض أنظمتنا لا يتردد في تعريض حياة معارضيه للخطر خدمة لمصلحة سياسية، مستهينا بما يخلفه سلوكه من تغذية للغرائز الدينية العمياء التي تعتبر أن كل الوسائل جائزة للرد على أي مس معنوي بمقدساتنا أو للرد بدون تحرٍّ على ما يشاع أنه مس بها.
السلطوية، في منطقتنا، كثيرا ما تلجأ إلى تسويق نموذج إسلام محافظ لتركيز نفوذها، فَتـُوَسِّعُ دائرة المُحَرَّمِ، دينيا، وتمنع عددا من أشكال التعبير والتنظيم المتعارف عليها، اليوم، وتصادر الحريات، وتمارس الحكم باسم الله ولكنها ترفض أن يمارس الآخرون المعارضة باسم الله، وتركب سبيل التعسير في الأحكام والواجبات الدينية للمزايدة على خصوم يستعملون الدين، أيضا. ويتشبث الحكام، مثلا، بعقوبة الإعدام، زاعمين أنهم يفعلون ذلك حرصا منهم على الامتثال لتعاليم القرآن، ولكن حين يُطاح بهم، يطلبون أن تجري محاكمتهم في «بلاد الكفار» وبقوانين ومساطر «الكفار» لأنهم يدركون أنها أرحم، أما النظام الجنائي الذي تمسكوا به، في الماضي، فهو مجرد وسيلة قـَدَّرُوا أنها الأنجع، بحكم منسوب العنف فيها، لردع وإرهاب المحكومين، بغض الطرف عن توافقها أو عدم توافقها مع «أحكام الشرع».
أما عن مسؤولية الحركات الإسلامية «المعتدلة» -أو بعضها- في تعثر ورش الإصلاح الديني، فتتجلى في سلسلة من المواقف التي تمثل أرضية خصبة لاستنبات إسلام الغلو والتطرف والانغلاق رغم ادعاء عددٍ من هذه الحركات أنه يغترف من معين فكر إسلامي مجدد وإصلاحي. هذه الحركات تنشر بين الناس منهجا معينا وتتملص من مسؤولية النتائج المترتبة عن تطبيقه، فهي تزرع بذورا معينة ثم تتظاهر بالاستغراب والاندهاش من طبيعة الثمار التي تَوَلـَّدَتْ عن عملية الزرع!
كثير من الحركات الإسلامية يغرس في أذهان الناس فكرة «الاقتصاص» من «أعداء الله» و»قطع دابر الكفر» و»بذل النفس والنفيس» في مواجهة المؤامرات ضد الإسلام، ويتهم خصومه بالضلوع في تلك المؤامرات، ويتعمد دغدغة عواطف الجماهير وتأجيج غضبها وإلهاب حماسها الديني الزائد، طمعا في مغانم الحكم وأصوات الناخبين، متظاهرا بعدم إدراك ما يترتب عن ذلك من أخطار.
عندما نقول للناس إن كلام الله لا يمكن أن يتساوى مع كلام البشر، وبالتالي فإن النتيجة هي أن الديمقراطية تختص في ما هو أدنى من كلام الله، وعندما نقول إننا نتعرف على كلام الله بطريقة ميكانيكية من خلال النص، وعندما نرفع شعار رفض كل ما يخالف الإسلام وندعي العمل على «تطبيق الشريعة»، وعندما نقول إن النص القطعي، في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، واجب التطبيق، بطريقة فورية وميكانيكية ومباشرة، فمن الطبيعي، بعد كل ذلك، أن ينتج هذا المنهجُ نزوعا لدى الناس إلى الكفر بجوهر الديمقراطية وتعطيل أهم أسسها، وإلى الشعور بأن ما هو مطبق من قوانين ليس هو الشريعة بل هو بعيد عنها ومناقض لها (أي لما يُتداول على أنه شريعة) وللسعي إلى تطبيق نظام الحدود، مثلا، ورجم الجناة وبتر أطرافهم. وبما أننا لا نهتم بتفصيل دلالات إقدام عمر بن الخطاب، في عام الرمادة، على تعطيل حد السرقة، فإننا، بالتالي، نحيد عن منهج الإصلاح الديني الذي يجب أن يقودنا إلى التسليم بأن التطبيق الحرفي والفوري والميكانيكي لما ورد في بعض النصوص ليس، اليوم، هو الإسلام بالضرورة، فالمنطق العُمَرِي (نسبة إلى عمر) يربط تطبيق النص بظروف الزمان والمكان. والأصل، في مجال المعاملات، يجب أن يكون هو المصلحة المقدرة، مؤسساتيا، وفقا لمقاصد الإسلام الكبرى وطبقا لما يتوصل إليه العقل وتفرزه التجربة الإنسانية.
وعندما نقول لأفراد الشعب إننا نريد إقامة دولة الخلافة أو الدولة الإسلامية، وإن علينا أن نختار نموذجنا الخاص لا أن نتبع الغرب، فإنهم قد يحاولون الرجوع، بكل بساطة، إلى نموذج دولة الماضي واستهجان نموذج الدولة الحديثة واعتبار أنها، بقوانينها ومؤسساتها، دولة الطاغوت، فيحلمون بنموذج غير ممكن التطبيق، حاليا، ولا يجدون من أدوات لتمييز هذا النموذج عن غيره سوى بعض المظاهر البدائية، من قهر وغلظة وعنف ودم، وشخصنة للحكم، وإعمال للنقل عوض العقل، وإهدار لفكرة المواطنة والمأسسة والقانون، ومعاداة لمنطق العصر ولروح التعايش الإنساني.
إن منهج الإصلاح الديني يقتضي، في نظرنا، اعتبار أن أقصى ما وصلت إليه الديمقراطية الحديثة، من نظم وآليات وقواعد ومؤسسات وقوانين وعلاقات، إنما يمثل تشخيصا لجوهر الفكرة التي قام عليها الإسلام، في الأصل، وهي تحرير الإنسان.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة