حول الأزمة الأخيرة في العلاقات المغربية ـ الفرنسية | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

حول الأزمة الأخيرة في العلاقات المغربية ـ الفرنسية

  • د. عبد العلي حامي الدين
  • كتب يوم السبت 07 فبراير 2015 م على الساعة 9:24

العلاقات بين المغرب وفرنسا تحكمها مصالح سياسية واقتصادية واستراتيجية، وقبل ذلك تحكمها اعتبارات تاريخية تعود إلى الفترة «الاستعمارية»..
صحيح أن المغرب لم يتعرض للاحتلال الأجنبي بنفس الطريقة التي حصلت مع دول أخرى، ولكن فرنسا دخلت إلى المغرب بعد توقيع ما سمي بـ «عقد الحماية» سنة 1912 بفاس بين السلطان عبد الحفيظ والسلطات الفرنسية، هذا العقد الذي يسمح لفرنسا بمباشرة مجموعة من الإصلاحات على المستوى القانوني والاقتصادي والإداري..مع الالتزام بالحفاظ على احترام المقومات السياسية للبلد وبصفة خاصة احترام المكانة الدينية والرمزية للسلطان، ولم تكن مراسيم الحماية تخضع للتنفيذ إلا بعد المصادقة عليها من طرف السلطان، ولو بصفة شكلية، لكن مع بروز الوجه الاستغلالي لسلطات الحماية، اندلعت المقاومة المسلحة مدعومة بالحركة الوطنية..ولم تكن المؤسسة الملكية محايدة في هذا الصراع، بل أعلنت تأييدها لمطالب الوطنيين المطالبة بالاستقلال والتراجع عن الحماية الفرنسية، وهو ما كلف السلطان محمد الخامس سنتين من المنفى في جزيرة كورسيكا ومدغشقر..
خرج الجيش الفرنسي من المغرب وزرع مكانه جيش من النخب الفرنكفونية التي وضعت في مختلف الإدارات والمؤسسات الحساسة، والتي تولت مهمة تحصين المصالح الفرنسية في المغرب..
هذه الاعتبارات التاريخية، ومعها تشابك المصالح لم تمنع من اندلاع أزمة حادة في العلاقات المغربية ـ الفرنسية دامت لمدة تناهز سنة كاملة..
الأسبوع الماضي نجح البلدان في تجاوز أزمة سياسية حادة امتدت لمدة سنة وذلك في أعقاب التوتر الذي هيمن على العلاقات بين البلدين بعد محاولة سبعة عناصر من الشرطة الفرنسية طلب الاستماع إلى مدير مديرية مراقبة التراب الوطني المغربي من قلب السفارة المغربية بباريس بأمر من قاضي التحقيق الفرنسي بناء على شكايات من طرف فرنسيين من أصل مغربي تتهم فيها المسؤول الأمني بارتكاب التعذيب في حقهم عندما كانوا معتقلين في المغرب.. لم يقف الأمر عند هذا الحد بل تم تسجيل العديد من الشكايات التي تستهدف مسؤولين مغاربة أمام القضاء الفرنسي..
هذه الأحداث لم ينظر إليها في المغرب باعتبارها أحداثا معزولة، ولكنها كانت تندرج في إطار منظور رسمي فرنسي تحكمه اعتبارات سياسية ابتزازية بالدرجة الأولى..
ولذلك كان لابد من إعادة رسم حدود العلاقات بين البلدين بناء على قواعد جديدة، تستحضر حجم التحولات التي يعرفها المغرب، وتنتبه إلى أن المغرب دولة ذات سيادة نجحت في التكيف مع رياح الربيع العربي، وهو يتوفر اليوم على حكومة تتمتع بجذور شعبية، وأن سياسته الخارجية ليست بالضرورة مرتهنة بفرنسا، وان تنويع شركائه الخارجيين وانفتاحه على إفريقيا سيجعل منه قبلة للاستثمار الخارجي وسيمكنه من إشعاع قاري يربط خيوط الحاضر بالتاريخ..
مباشرة بعد واقعة باريس سارعت وزارة العدل والحريات في شهر شباط/فبراير 2014 إلى إصدار بلاغ في الموضوع تعلن فيه عن تعليق تنفيذ جميع اتفاقيات التعاون القضائي بين البلدين مع الدعوة إلى تقييم بنودها ومعالجة الاختلالات الموجودة بها، وهو ما انعكس على العلاقات المغربية الفرنسية من الناحية الدبلوماسية والأمنية والسياسية..
بعد حوالي سنة من الحوار المباشر وغير المباشر اقتنع الطرف الفرنسي بضرورة مراجعة بنود الاتفاقية، على ضوء ثلاثة مبادئ أساسية: احترام السيادة القضائية للبلدين، التكامل القضائي، عدم الإفلات من العقاب.
وهو ما تحقق خلال الأسبوع المنصرم بعد اللقاء المباشر بين وزير العدل والحريات مصطفى الرميد وحارسة الأختام الفرنسية كريستيان توبيرا..
الاتفاقية الجديدة تعطي الحق لجميع الأشخاص باللجوء إلى العدالة على ضوء تكامل الاختصاص بين القضاءين الفرنسي والمغربي بما يؤدي إلى احترام الاختصاص المكاني للبلد الذي ارتكبت الجريمة فوق أراضيه..
فمثلا، إذا كانت هناك اتهامات بارتكاب جرائم معينة في حق مسؤولين مغاربة وقعت فوق الأراضي المغربية وتم وضع شكاية أمام القضاء الفرنسي، فإن هذا الأخير يفوض اختصاصه بصفة تلقائية إلى القضاء المغربي الذي يكون ملزما بالنظر في الاتهامات المذكورة.. لكن في حالة تهاون القضاء المغربي أو تقاعسه في تطبيق مقتضيات العدالة، فإن القضاء الفرنسي يصبح بإمكانه استرجاع اختصاصه الأصلي للنظر في القضية…نفس الأمر بالنسبة للجرائم المرتكبة فوق الأراضي الفرنسية.
الصحافة المغربية اعتبرت بأن هذا الاتفاق هو انتصار للمقاربة المغربية، والحقيقة أنه ليس هناك رابح أو خاسر في هذه الاتفاقية التي تنتظر المصادقة من طرف السلطات المختصة في البلدين..الذي انتصر هو منطق القانون واحترام مبدأ السيادة القضائية للبلدين مع التشديد على ضرورة ضمان عدم الإفلات من العقاب.
القضاء المغربي اليوم أمام امتحان واضح، وهو انتزاع الاعتراف بالكفاءة والنزاهة والشجاعة والاستقلالية في معالجة الملفات العويصة التي ستعرض عليه، والتي لا تخلو في بعضها من حساسية سياسية..
عودة الدفء إلى العلاقات المغربية الفرنسية لا تنحصر في الجانب المتعلق بالتعاون القضائي، ولكنها ستعزز من حجم تبادل المعلومات الأمنية والتنسيق الاستخباراتي بين البلدين، وهو ما تبينت أهميته للطرف الفرنسي بعد أحداث شارلي إيبدو الإرهابية، وذلك باعتراف المسؤولين الفرنسيين.
الدرس المستفاد من هذه الأزمة العابرة عربيا، هو أن الدول العربية بإمكانها أن تمتلك مقومات الدفاع عن سيادة قرارها السياسي، إذا نجحت في بناء مؤسساتها الديمقراطية وتقويتها وتحصينها من محاولات الإضعاف من الداخل..

د. عبد العلي حامي الدين

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة