حقيقة الاقتصاد الوطني الذي ينخره 40 في المائة من الاقتصاد العشوائي

حقيقة الاقتصاد الوطني الذي ينخره 40 في المائة من الاقتصاد العشوائي

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 27 فبراير 2012 م على الساعة 23:04

   يشكو الاقتصاد المغربي من مشاكل بنيوية عميقة تحتاج الى قرارات جريئة من الحكومة الجديدة،  علما أن متانة الاقتصاد تشكل إحدى أهم دعامات الاستقرار و شروط التقدم. ولعل من أبرز مشاكل الاقتصاد المغربي الحجم الكبير الذي يحتله الاقتصاد « العشوائي » أو غير المهيكل، والذي يبلغ حسب بعض التقديرات 40٪ من الاقتصاد الوطني، في الوقت الذي لا تتجاوز هذه النسبة 5٪ في أوروبا مثلا.   مساوئ الاقتصاد غير المهيكل كثيرة ومتشعبة. العمال والصناع والحرفيون والتجار الصغار والباعة المتجولون وسواق سيارات الأجرة وخادمات البيوت وغيرهم كثير لا يتمتعون بالتغطية الصحية وحقوق التقاعد والتأمين، وأسرهم طبعا محرومة كذلك من فوائد الخدمات الاجتماعية، وهؤلاء جميعا يشكلون حسب بعض الإحصاءات نصف سكان المغرب. وتلك مأساة حقيقية. فإذا كانت الإحصاءات الرسمية لحوادث السير تقدم أرقاما مخيفة تثير الأسى وتستدعي الإدانة، فإن الأكيد أن غياب التأمين الصحي في المغرب يتسبب في حصيلة سنوية من الضحايا أسوء من حصيلة حوادث الطرقات بكثير. فما حيلة حرفي بسيط إذا باغته مرض السرطان؟ وما هو طوق النجاة لعامل بناء داهم مرض خطير ومكلف أحد أفراد أسرته؟ وقياسا على هذا يعاني الكثيرون بسبب حرمان المعيل من حقوق التقاعد، وتعاني أسر كثيرة الأمرين إذا أصاب رب الأسرة مكروه في حادثة شغل أو في حالة الوفاة أو الإعاقة. هذه الأوضاع تتسبب في أضرار اجتماعية واقتصادية لا حصر لها وتكلف المجتمع الشيء الكثير.   من جهة أخرى، فالاقتصاد غير المهيكل يربك السياسة الاقتصادية للدولة لأنه في غياب معطيات سليمة تتعذر قراءة صحيحة للواقع الاقتصادي والاجتماعي، ويصعب على الحكومة والجهات المختصة وضع خطط مناسبة تلائم الحاجيات وتكون في مستوى التحديات المطروحة. مثلا، كيف يمكن لبنك المغرب أن يضع سياسة نقدية في ظل حجم أنشطة تهريب السلع من سبتة ومليلية؟ وكيف لسلطات الرقابة الصحية أن تضمن شروط الجودة للمواد المهربة بهذا الشكل؟   إشكال آخر للاقتصاد غير المهيكل أنه يحرم الدولة من موارد هامة كفيلة لو تم استخلاصها بالمساعدة في مواجهة عجز الميزانية المتفاقم وتمكين الحكومة من إمكانيات أكبر لمواجهة أعباء مشاريع التنمية والاستثمار. فمن غير المنصف أن نشاطا اقتصاديا بحجم مماثل لا يسهم ولو بقسط محدود  في مداخيل الضريبة والرسوم الجمركية على الواردات.   صحيح أن الاقتصاد غير المهيكل إرث ثقيل وموضوع معقد، إلا أن التهرب من مواجهته قرار غير صائب. فهذه القضية تشبه إشكالية الدَين، كلما تأجل الوفاء به، تراكم واستفحل. لذلك من المستعجل وضع خطة حاسمة قد تمتد لسنوات كي ينتقل الاقتصاد غير المهيكل تدريجيا إلى حيز الشرعية والقانون. وهذا يتطلب جرعة قوية من الإرادة وكفاءة في التخطيط والتدبير. على الحكومة أن تراجع التشريعات وتبادر إلى تبسيط المساطر الادارية عموما وتلك التي تهم إنشاء المقاولات الصغرى على الخصوص، وتضع إطارا جبائيا مناسبا، وتشجع التكوين وإعادة التأهيل، وتحدث صيغا للتمويل البنكي، وتبدع الكثير من التدابير الأخرى بالتشاور مع كافة الفاعلين… كل هذا لتقديم بديل « مغري » يدفع العاملين في الاقتصاد غير المهيكل إلى الانتقال إلى مجال أفضل وأرحب.   مهمة تصحيح وضعية الاقتصاد غير المهيكل ليست بالأمر الهين بالنظر إلى تشعب أسبابه وآثاره، لكن حسن تدبير هذا الملف، وتوسيع نطاق التشاور، والاستئناس بتجارب الدول، أمور كفيلة بالمساعدة على إيجاد حل مناسب لهذه المعضلة. جدير بالذكر أن دولة البرازيل التي عرف اقتصادها في السنوات الأخيرة تطورا كبيرا حققت بفضل سياسة الرئيس السابق لولا دا سيلفا  (2003-2010) إنجازا مذهلا بانتشال حوالي 30 مليون مواطن برازيلي من الفقر، ليعززوا الطبقة الوسطى في المجتمع. سياسة الرئيس لولا الاقتصادية التي قلصت في بضع سنوات عدد الفقراء في البرازيل بنسبة  50٪ اعتمدت على مزاوجة ذكية بين سياسة تدعم اقتصاد السوق وسياسة اجتماعية جريئة تخدم ذوي الدخل المحدود.   الشركاء في الخارج يمكن أن يقدموا الكثير من الدعم في هذا المجال، كالاتحاد الأوروبي الذي يعبر في كل مناسبة عن إرادته في دعم خطط التنمية في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، سواء بالتمويل المباشر أو تقديم الخبرة الفنية. كما أن الأمم المتحدة، ومن خلال برامج وهيئات متخصصة، تملك الكثير من الإمكانيات والتجارب التي يمكن أن تفيد المغرب. ولا يمكن أن ننسى طبعا أن مؤسسات وهيئات وطنية، رسمية أو مهنية أو جامعية، سبق أن أنجزت أبحاث ودراسات تتناول جوانب من الاقتصاد غير المهيكل، وهذا الرصيد المعرفي يستحق أن يأخذ بعين الاعتبار بعد تجميعه وتحيينه.   في الختام، يعود إلى الحكومة أمر المبادرة لرسم خطة وطنية لمعالجة معضلة الاقتصاد غير المهيكل، مع التأكيد على أن القضية ملحة ولا تحتمل التأجيل.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة