المبغى السياسي..

المبغى السياسي..

  • سليمان الريسوني
  • كتب يوم الأربعاء 11 فبراير 2015 م على الساعة 17:30

يعتبر رواد المدرسة البراغماتية الجديدة أن كل تأويل هو إساءة تأويل. ويذهب الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رُورتي، أحد رواد هذه المدرسة، إلى أن قراءتنا لِنصٍّ أو خطاب ما، يجب ألا تخضع لمقاصد صاحب النص-الخطاب، بل يجب أن نقرأ النصَّ بـِنيَّةِ استعماله، فنجعله يتطابق مع أغراضنا والغايات التي نصبو إلى تحقيقها من وراء قراءته الاستعمالية البراغماتية اللامحدودة.

هذا النوع من القراءة والتأويل يرفضه الروائي والفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو، الذي يقول في معرض انتقاده لريتشارد رُورتي ومنهج البراغماتيين « اللامحدود » في تأويل النصوص: « إنهم « يَدُقـّونَ النصَّ دقـّا إلى أن يستجيب لما يرمون إليه » (Ils frappent le texte afin de l’adapter à leurs propos).

هذا هو أبلغُ وصف وجدته للتأويل البراغماتي الذي توسلته أحزاب المعارضة البرلمانية في قراءتها لخطاب رئيس الحكومة في البرلمان، وتحديدا عبارة: « ديالي كبير عليك »، بدون أن تقيم أي اعتبار لظروف التلفظ « Les circonstances d’énonciation »، بتعبير أمبرتو إيكو، خصوصا وأن بنكيران كان في « ظرف » ردٍّ على ميلودة حازب، رئيسة فريق الأصالة والمعاصرة في مجلس النواب، التي قالت له: « الحزب ديالي بزاف عليك وكبير عليك ». لقد دقـّت المعارضة خطاب بنكيران دقـّا، وأوَّلته بلا حدود أو ضوابط لكي يستجيب للأهداف التي ترمي إليها؛ كيف ذلك؟

إذا كانت المعارضة تتطلع، كما يؤكد بعض قيادييها، إلى الارتقاء بمستوى التنسيق بين مكوناتها نحو تأسيس « كتلة حداثية »، كتلة تنأى خطاباتها وممارساتها السياسية عن الشعبوية وإعمال ذهنية المؤامرة ومحاكمة النوايا، فلماذا تصِرُّ، هذه المعارضة، على أن بنكيران « نوى » بقوله: « ديالي كبير عليك » شيئا آخر غير: « حزبي أكبر من حزبك »، وبناءً على ذلك تفتعل معركة أخلاقية كبرى استنادا إلى تأويل براغماتي، مبيّت، ركِبَ على تأويل ذُهاني « Paranoïaque » قد تكون وقعت فيه السيدة ميلودة حازب؟

وإذا افترضنا أن هذه المعارضة استمرأت لعبة التأويل واستقراء النوايا، فلماذا لم تقل -مثلا- إن بنكيران قصد: « عقلي أكبر من عقلك »، وتبرر ذلك بالقول إن بنكيران، الذي كان في معرض الرد على برلمانيتي الأصالة والمعاصرة، خديجة الرويسي وميلودة حازب، يصدر من جذر أصولي يعطي فهما رجعيا للحديث النبوي: « النساء ناقصات عقل ودين »؟ لماذا لم تقل إن بنكيران قصد: « مصداقيتي أكبر من مصداقيتك »، خصوصا وأن بنكيران لا يتوقف عن طعن المعارضة في مصداقيتها وذمة قيادييها المالية والسياسية؟ لماذا هذا الإصرار على تأويل كلام بنكيران باستعمال العقل السُفلي، الجنسي؟

إن المعارضة تعي جيدا أن أزمتها أخلاقية « Ethique » قبل أن تكون تنظيمية أو أزمة خطاب وبرنامج، كما تعي جيدا أن الحزب الحاكم لا يتفوق عليها في التجربة والكفاءات والبرامج… قدرَ تفوقه -إلى حدود الآن- في المرور من فوهة بركان السلطة دون أن يذوب فيه، والمرور قرب تفاحة المال العام دون أن يسيل لعابه عليها ويقضم منها. أزمة العدالة والتنمية أزمة موضوعية، تحدث لأي حزب يملك سلطة مقيدة في ظروف معينة. أما أزمة بعض أحزاب المعارضة فهي خِلقية، وأزمة بعضها الآخر بنيوية، مُركبة، تراكمت وتفاقمت بفعل الإمعان في إصلاح الخلل التنظيمي والسياسي، في القيادة والفروع والجماعات المحلية، بخلل أخلاقي.

ولأنها تعي أزمتها جيدا، وتعرف أن حلها معقد، لاعتبارات أخلاقية متداخلة، فقد اهتدت المعارضة، مؤخرا، إلى فكرة التلويح بأنها تتوفر على ملفات فساد لمسؤولين « لاأخلاقيين » داخل الحزب الحاكم؛ ثم هاهي تعطي معنى لاأخلاقيا لخطاب سياسي واضح في ملفوظه وسياقه! فهل نحن أمام استراتيجية جديدة للتشويش والتمييع، انتقلت من الخطاب البهلواني: « رئيس الحكومة له ارتباطات بداعش والموساد » إلى تأويل جنسي متعسف لخطاب رئيس الحكومة. خشيتي من أن يتحول البرلمان من « سيرك » إلى « مبغى ».

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة