فضيحة مالية تهز الحزب الشعبي الإسباني

فضيحة مالية تهز الحزب الشعبي الإسباني

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأحد 17 فبراير 2013 م على الساعة 12:05

كان لويس بارسيس غيتيريس، أمين المال في حزب يسجل في كتاب سري صغير، أسماء ومبالغ مالية. وهكذا بدأت الشبهات والشكوك بالفساد والارتشاء تحوم حول الحكومة. وضعت الأربعة عشر صفحة، المخطوطة باليد، والتي  كان «لويس بارسوناس غوتيريس»، أمين المال السابق للحزب الشعبي، يسجل فيها لمدة ثمانية عشر سنة الأسرار المحاسباتية للحزب الذي يحكم إسبانيا منذ 2011، والذي يتولى الحكم في أغلب البلديات، (وضعت) الحزب في موقف حساس، في الوقت الذي تعيش البلاد إحدى أصعب الفترات في تاريخها. يوجد اسم»مريانو راخوي»، رئيس الحزب الشعبي ورئيس الحكومة، من بين أسماء القادة الذين تعاقبوا على قيادة الحزب منذ 1990 المدرجة في الملاحظات التي دونها «بارسوناس»، مما جعل كل قيادة الحزب متهمة بأنها حصلت على مبالغ مالية خارج القانون، وعلى هبات غير مرخص بها من طرف قوانين تمويل الأحزاب السياسية، وتكشف عن وجود علاقات تربطها برجال أعمال متورطين في فضائح فساد وارتشاء. في الجلسات الخاصة، يبدي قادة الحزب الشعبي تدمرهم من الرجل الذي كان يمسك الحسابات بقولهم: «إن  بارسوناس، رجل كذّاب ومخادع قام بالنصب والاحتيال على الحزب طوال هذه المدة». وفي الجلسات العامة، يفضلون التشكيك في مصداقية الحسابات الموازية أو السوداء التي أعدها أمين المال السابق، وشن الهجوم على صحيفة «إلباييس» التي نشرت الخبر، مع تفادي توجيه الاتهام مباشرة لـ»بارسوناس»، الرجل الذي مايزال يشكل خطرا. من جهة أخرى، لم يتحدث «ماريانو راخوي»، المتهم الرئيسي، بأي كلام فظ أو سيء ضده.   تهديد يعرف الرئيس منذ فترة طويلة أن «بارسوناس»، هو قنبلة موقوتة قابلة للإنفجار في أي وقت. فهو الذي عينه في منصب أمين مالية الحزب، بمناسبة مؤتمر الحزب في يونيه 2008. آنذاك، كان «بارسوناس» قد اشتغل لمدة ثمانية عشر سنة في منصب متصرف إداري. وكان يعرف إذن، كل آليات تمويل الحزب، وكل أسماء رجال الأعمال الذين كانوا يقدمون له الدعم المالي، ويعرف هوية المسؤولين الذين أنقذهم الحزب من الورطة، ويعرف كذلك كل ثقوب وكل هفوات الحسابات الواجب إخفاؤها بشكل سري. في اليوم الذي تم فيه التحقيق مع «بارسوناس» حول تهمة الفساد، فيما يعرف بقضية «غايرل»- وهي شبكة محتملة للارتشاء لها علاقة بالحزب منذ 2009- أصبح بارسوناس في عين راخوي، يشكل تهديدا للحزب. في حالة ما إذا انفجرت هذه القنبلة، يمكن للرئيس أن يقول الوداع لطموحاته طالما يعرف أمين المال الكثير من الأسرار. لقد نجح راخوي الذي كانت له دائما علاقات جيدة مع بارسوناس، في أن يبقى بعيدا عن الفضيحة، ويظهر بمظاهر الملائكة الطهرانيين. ومع ذلك، وخلال أربع سنوات، كان كل الذين يعرفونه يعلمون أن الرئيس كان يتابع القضية عن قرب. وسبق أن تحدث عدة مرات مع أمين ماله السابق، وأنه لم يكن يفارقه قيد أنملة، محاولا بكل الوسائل منع القنبلة من الانفجار. لم يسبق أن طلب منه تقديم استقالته، وترك لمساعديه مهمة البحث عن وسيلة للتخلص منه وسد كل الأبواب في وجهه، غير أن بارسوناس، قال لراخوي بلهجة تحد، في شهر يوليوز 2009، وخلال أحد الاجتماعات: «أنت عينتني في منصبي، وأنت الذي يجب أن تقرر إن كنت تريد أن تطردني أو تبقيني. وإذا فقدت ثقتك في، فإني سأغادر الحزب. ولكن، لا يمكن لأي شخص أن يعطيني إشارة الذهاب». رد عليه راخوي بأن لا شيء يجعله يطلب منه تقديم استقالته، لأن الأمر يتعلق بقضية خاصة. كان أمين المال السابق يستفيد دائما من تعامل تفضيلي ملائم له من طرف الحزب الشعبي. كان الحزب هو الذي يسدد أتعاب محاميه، على الأقل إلى أن كشفت صحيفة «إلباييس» هاته الفضيحة. واحتفظ  بارسوناس بمكتبه وبسيارته الوظيفية. وكان هدف كل هذه التسهيلات إبقاء المفرقعة المملوءة بالمعلومات المتفجرة حول طريقة تسيير الحزب الشعبي خلال العشرين سنة الأخيرة، تحت المراقبة. في الجلسات العامة، اختار الحزب الشعبي عدم توجيه اتهامات مباشرة لبارسوناس، وبدلا من ذلك، شن هجوما على الوثائق بإنكارها. كان أعضاء الحزب الشعبي يخشون دائما إثارة غضب أمين المال السابق، ولكن في الجلسات الخاصة، كانت الأطروحة التي يفضلها الحزب، هي أن بارسوناس اخترع كل شيء. أعضاء آخرون في الحزب الشعبي، وبخاصة في الأقاليم بدؤوا يشعرون بالقلق، وأكدوا على ضرورة قيام الحزب بتسليط الضوء حول هذه الفضيحة. ولم يجرؤ أي شخص على التفكير- حتى في الجلسات الخاصة-، بأن راخوي تلقى المبالغ المسجلة في الدفاتر المحاسباتية، ولكن الجميع طالب بالحصول على توضيحات. عند ما فاز الحزب الشعبي في الانتخابات، بالأغلبية المطلقة، في نونبر 2011، اعتقد أمين المال السابق الذي اعتاد التردد على دوائر الحكم العليا، وتناول العشاء مع الأسماء الكبيرة في عالم الأعمال والسياسة، أن وصول «أصدقائه» إلى الحكم سيساعده على تدبر الأشياء، ولكن العكس هو الذي حدث. خلف اكتشاف حسابه المصرفي بسويسرا، والذي أودع فيه 22 مليون أورو، حسبما تم الكشف عنه في يناير، تأثير «الدومينو المتدحرج»، مما جعل كل شيء يسير بسرعة كبيرة. فبعد أن حشر أمين المال السابق الذي يوجد اليوم في مواجهة الأدلة، في الزاوية، حاول الدفاع عن نفسه بقدر استطاعته، وتحدث عن مشاركين آخرين في هذا الحساب المصرفي المودع في سويسرا، وأكد أن الأمر يتعلق في الواقع بصندوق استثماري. كان كل الحزب يرتجف خشية من فكرة أن يكون هناك قادة آخرين متورطين في قضايا «بارسوناس». فالعديد من أعضاء الحزب الشعبي، كانوا يعتقدون أن وثائق بارسوناس التي يعلم جميع قادة الحزب بوجودها، لن  يتم الكشف عنها أبدا. وكان التوتر في منتهاه، حتى وإن كان راخوي يبدو مطمئنا. بعد أن تحدثت مع مسؤولين من مستوى عال، وبعد أن قامت بالتحقق من صحة الوثائق، قررت صحيفتنا في النهاية نشر هذه الوثائق التي تتضمن الأسماء الكبيرة في الحزب الشعبي خلال العشرين سنة الأخيرة، وبخاصة اسم ماريانو راخوي. انهارت معنويات الحزب الشعبي عند قراءة اسم «ماريانو راخوي» داخل  الوثائق المخطوطة باليد التابعة لرجل ثقة الحزب. آنذاك وضع الحزب استراتيجية للدفاع، بنفي ونكران كل شيء دفعة واحدة، وندد بمؤامرات محبوكة: «يوجهون لنا الاتهامات في هذه اللحظة بالضبط التي بدأنا فيها الخروج من الأزمة»، يوضح «دولوريس دو كوسبيدال»، السكرتير العام للحزب الشعبي، ولكن كل هذا لم يفد في أي شيء كبير.   راخوي شديد العزم  يبدو أنه من المستحيل احتواء الإحباط داخل الحكومة، وداخل الحزب الشعبي، وفي صفوف الزعماء المحليين والمناضلين والناخبين، والغضب داخل جزء كبير من البلاد. إن فضائح الفساد في بلاد دمرتها البطالة التي تؤدي كل يوم إلى أوضاع أكثر فقرا، من شأنها أن تكون لها تداعيات مدمرة على الحكومة: «تضاف هذه الفضيحة، إلى فضيحة صهر الملك خوان كارلوس – فضيحة إيناكي-، المتورط في قضية تهريب أموال عمومية. وإذا استمر الوضع على حاله، فإنهم سيقومون بطردنا»، يلخص الوضع عضو في الحزب الشعبي، قبل أن يضيف عضو آخر بقلق كبير»مرة أخرى، سيتم إجراء تحقيق وسنفقد نصف ناخبينا». «صوريا صانز دو سانتا ماريا»، نائبة رئيس الحكومة، رفضت الحديث عن الأزمة ووعدت باتخاذ إجراءات من أجل تجديد الشفافية وتقوية المؤسسات، ولكن الأزمة مازالت مستمرة.  اختار راخوي أن يبقى شديد العزم، وأكد بأن كل شيء مزيف وباطل بشكل مطلق، ويلعب لعبة الشفافية، بالكشف عن تصريحاته الضريبية ويعتمد على الوقت من أجل تهدئة الوضع. وهو الشيء الذي كان يقوم به دائما، والذي تمليه عليه تجربته: الذي يقاوم ينتصر. «ولكن هذه المرة، الأوضاع مختلفة» يؤكد بعض أعضاء الحزب الشعبي.  يقول راخوي في مجالسه الخاصة إنه سيخوض المعركة وبأنه سينتصر فيها، كما كان يقوم دائما. وهو مقتنع، أنه إذا تجاوز مرحلة السنة الثانية الرهيبة، بوضعية اقتصادية ستبدأ في التحسن في 2014 حسب توقعاته، فإن كل شيء سينتهي بالنسيان شيئا فشيئا. ووحده الزمن، حليفه الدائم الذي يمكنه أن يحكم عليه.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة