أسـبـــاب تفــاقــم العـجــز المـــالــــي

أسـبـــاب تفــاقــم العـجــز المـــالــــي

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 17 أبريل 2013 م على الساعة 15:36

أمام تفاقم العجز المالي منذ سنة 2008، بدأت مؤشرات خطيرة تتعلق بطرق تدبير المالية العمومية وبالاختيارات والسياسات المتبعة على هذا المستوى، بحيث أصبحت الحكومة السابقة تسارع للاقتراض من الخارج لتغطية العجز المالي قبل حدوثه دون أن تستحضر التأثير متوسط المدى لهذه الاختيارات، وبمقابل ذلك، كانت تبالغ في الرفع من النفقات الاستهلاكية دون أن يوازيها رفع مماثل للموارد العادية للميزانية، وفي نهاية المطاف وجد المغرب نفسه مع نهاية سنة 2011 في مأزق مالي خطير بدأت آثاره المباشرة تضغط بقوة على المالية العمومية منذ بداية 2012. فرغم التحفظ الذي يمكن أن يبديه أي طرف تجاه قرار وقف تنفيذ بعض نفقات الاستثمار، فإن الحكومة وبناء على المعطيات التي قدمها وزير المالية، قد قدرت أن وصول عجز الميزانية لهذا المستوى البنيوي والمتراكم منذ سنة 2008، والذي وصل مداه سنتي 2011 و2012 كان عاملا حاسما في اتخاذ هذا القرار، خاصة بعد أن قامت عدة أطراف داخل الأغلبية الحكومية وخارجها بعرقلة إصلاح صندوق المقاصة وصناديق التقاعد، وهي الإجراءات التي كانت ستخفف الضغط على الميزانية العامة للدولة. فمجموع الموارد العادية للميزانية العامة لا تتعدى 230 مليار درهم، في حين أن نفقات الموظفين تستهلك نحو 100 مليار درهم، ونفقات صندوق المقاصة ستفوق هذه السنة 60 مليار درهم، ونفقات الدين العمومي بدورها ستقارب مع نهاية سنة 2013 ما مجموعه 40 مليار درهم، وبالتالي ستمتص هذه النفقات الإجبارية أزيد من 90 % من الموارد العادية المتوقعة للميزانية، وإذا أضفنا عليها باقي نفقات الجزء الأول من الميزانية (المواد والخدمات)، فإن ميزانية التسيير وحدها ستتجاوز مجموع الموارد العادية المتوقعة في قانون المالية 2013. وبمقابل ذلك، وللتغطية على تأزم الوضع المالي منذ سنة 2010، كانت الحكومة السابقة تلجأ إلى أشد الوسائل تأثيرا على المالية العامة وهي الاقتراض من الخارج، وهي بدائل خطيرة تظهر آثارها على المدى المتوسط (من ثلاث إلى خمس سنوات). فبعد أن كانت نسبة تغطية نفقات الدين منخفضة بشكل إيجابي قبل 2007، سارع وزير المالية السابق لإعادة إطلاق دورة واسعة للاستدانة من الخارج نظرا إلى أن هذه الإمكانية كانت متاحة، ولم يقم بما يلزم من إعادة النظر في طرق تدبير المال العام وبترشيد الإنفاق ورفع موارد الدولة. ومع تزايد الحاجة لتمويل الميزانية، بدأت نسبة الاستدانة ترتفع لاستباق العجز قبل وقوعه، وهذه الآلية كانت تؤدي إلى تأخير الأزمة وتأجيل الكارثة ولم تكن تؤدي إلى حل الإشكال، وبالتالي وجدت الدولة نفسها مع بداية سنة 2012 تؤدي أقساط قروض متراكمة على الميزانية العامة منذ 2008. فبعد أن كانت نسب النفقات التي تصرف لإرجاع الديون الداخلية والخارجية من الميزانية لا تتعدى 12 مليار درهم سنويا قبل 2007، بدأت الحكومة السابقة في سلسلة من التمويلات الخارجية منذ سنة 2008 للحفاظ على توازن مغلف وكاذب للميزانية، وبالتأكيد، فإن نفقات تسديد هذه الديون بدأت تتراكم بشكل تدريجي سنتي 2010 و2011، لتصل سنة 2012 إلى مستوى قياسي أرهق المالية العمومية ووصل إلى أزيد من 43 مليار درهم، وينتظر أن يصل أيضا سنة 2013 إلى نحو 40 مليار درهم. لكن، بالمقابل يمكن القول بأن الحكومة قد فشلت في ترشيد النفقات الاستهلاكية خلال سنة 2012، وهو الأمر الذي كان من بين أهدافها الأساسية، وهذا الإجراء كان بإمكانه وحده توفير ما بين 8 إلى 12 مليار درهم سنويا، لكننا وجدنا أن هذه النفقات قد تصاعدت سنة 2012  بنحو 19 في المئة وهو أمر غير مقبول وأدى من جهته إلى تفاقم عجز الميزانية. ورغم أن ترشيد الإنفاق إجراء غير كاف لاستعادة التوازن للميزانية العامة، إلا أنه يعتبر أولوية قبل المرور إلى توقيف أو تجميد جزء من نفقات الاستثمار التي تعتبر ذات حساسية بالغة من الناحية السياسية والاقتصادية والمالية. لذا، فإن العجز الموروث عن سنوات التدبير بين 2008 و2011، كان حاسما على مستوى إغراق مالية الدولة بالديون الداخلية والخارجية، مما رفع نفقات الدين الواجب أداؤها من 6 ملايير درهم سنة 2007 إلى أزيد من 55 مليار درهم سنة 2012، مما أرهق الميزانية العامة وعمّق من اختلال توازنها.  كما أن نفقات المقاصة قفزت من 12 مليار درهم سنة 2006 إلى أزيد من 50 مليار درهم سنة 2011، ونفقات الموظفين بدورها فاقت 95 مليار درهم سنة 2012، بعدما كانت في حدود 77 مليار درهم سنة 2007. وأمام هذا الإرث الثقيل والكارثي على مستوى النفقات والتكاليف العمومية لم يعد للحكومة الحالية هامش كبير للمعالجة، وبقي لها فقط، محاولة امتصاص العجز المالي المتفاقم بشكل تدريجي يستحضر الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية للحكومة ويحمي توازنات الاقتصاد والمالية العمومية على المستوى المتوسط والطويل.  

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة