هذه خلفيات إلغاء 15 مليار درهم من نفقات الاستثمار | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

هذه خلفيات إلغاء 15 مليار درهم من نفقات الاستثمار

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 17 أبريل 2013 م على الساعة 15:35

عرف المغرب خلال الأيام الأخيرة لغطا كبيرا حول قرار الحكومة وقف تنفيذ بعض نفقات الاستثمار بالميزانية العامة، واختلفت ردود الفعل بين من يناقش الأسس الدستورية والقانونية لهذا الإجراء، وبين من يستدعي البعدين الاقتصادي والاجتماعي وآثاره عليهما، ومن يركز على الشق السياسي في الموضوع. واختلت التأويلات بخصوص صحة هذا الإجراء من عدمها، وتزايدت الخرجات الإعلامية لبعض زعماء الأحزاب من الأغلبية والمعارضة إما لمعارضة هذا الإجراء من أساسه أو لتبريره وشرح حيثياته للرأي العام. إلا أن النقاش لم يكن في الواقع ينصب بالأساس حول خلفيات وأسباب هذا الإجراء حتى يفهم المواطن مضامينه ويدرك آثاره، وإنما انحرف النقاش عن هذا المستوى ليدخل من جديد في متاهات الجدل العقيم، فلا نكاد نجد في خطابات زعماء أحزاب المعارضة ولا في خطاب حميد شباط نفسه كجزء من الأغلبية أية أجوبة بخصوص هذا الإجراء.     آليات تقليص نفقات الاستثمار   في غياب أي نقاش علمي، على المستويات القانونية والاقتصادية والمالية، ضاعت المعطيات والمبررات والمؤشرات الحقيقية المرتبطة بهذا الإجراء، ولم يعد المتتبع ولا الرأي العام يعرف ماذا يحدث، خاصة وأن هذا الإجراء كانت تقوم به بطرق مختلفة، جميع الحكومات السابقة دون أن تسلك المساطر والشكليات القانونية والواضحة من أجل ذلك، بحيث كانت دائما مديرية الميزانية بوزارة المالية تتحكم في تفويض الاعتمادات الخاصة بنفقات الاستثمار. فهذه المديرية كانت تعتبر الآلية التي تستطيع بها وزارة المالية تقليص وتيرة الإنفاق على مستوى ميزانية الاستثمار، ولم تكن خطاطات ميزانيات التجهيز تمنح للقطاعات الوزارية لتنفيذها إلا ما بعد شهر يونيو من السنة المالية، ولم يتم البدء في إنجازها إلا شهري أكتوبر ونونبر من كل سنة، وبالتالي، تبقى أجزاء كبيرة من نفقات الاستثمار غير منجزة خلال السنة المالية المعنية ليتم ترحيلها للسنوات الموالية. وبالتالي كانت هذه الآلية دائما تستعمل لتعطيل جزئي أو لفرملة تنفيذ أجزاء مهمة من ميزانية الاستثمار دون أن يتم الإعلان عن ذلك صراحة، ودون أن يتم إخبار الرأي العام بذلك، لهذا نجد دائما أن الاعتمادات المرحّلة والتي لم يتم إنجازها تفوق نسبتها 45%، وخلال السنة الموالية يقوم الوزراء ومندوبيهم بصرف هذه النفقات المرحّلة بدءا من شهر مارس أو أبريل. لذا، يمكن القول هنا إن لجوء الحكومة الحالية إلى اتخاذ هذا الإجراء بشكل علني يدخل في إطار شفافية التدبير المالي العمومي، وتأكيدا لمنهج الصدق والصراحة والوضوح مع الرأي العام ومع الفاعلين الاقتصاديين، على الرغم من أن هذا الإعلان له كلفته السياسية على سمعتها، حتى وإن كانت تقوم بإجراء وقائي لحماية التوازنات المالية وتطلع الرأي العام على إجرائها وعلى تفاصيل تدبيرها للشأن العام على هذا المستوى.     الأساس القانوني   حاول العديد من السياسيين وحتى بعض الأكاديميين مناقشة الأساس الدستوري والقانوني لهذا الإجراء الذي أقدمت عليه الحكومة، وكثر بالتالي الجدل حول هذا الموضوع، في حين أن النقاش يجب أن ينصب بالأساس حول حقيقة الوضعية المالية ونتائج تراكم العجز الهيكلي الذي ميّز قوانين المالية السنوية منذ أزيد من سبع سنوات. فمن حيث الأساس الدستوري، يتعين التأكيد أولا على أن العملية التي أقدمت عليها الحكومية تجد أساسها في المادة 45 من القانون التنظيمي للمالية والمادة 11 من المرسوم المتعلق بإعداد وتنفيذ الميزانية، وهي النصوص التي تعود إلى سنة 1998، وحرص آنذاك وزير المالية في حكومة التناوب على إدراجها بهذه الصيغة، رغم أنه كان يعلم بأن هذه المقتضيات تعطي الحق بشكل مطلق للحكومة في مجال تنفيذ الاستثمارات العمومية من عدمه سواء بصفة جزئية أو بصفة شبه كلية. فالمادة 45 من القانون التنظيمي للمالية تنص صراحة على أن الحكومة يمكنها أثناء السنة المالية أن تقوم «بوقف تنفيذ بعض نفقات الاستثمار إذا استلزمت ذلك الظروف الاقتصادية والمالية»، وهو الأمر الذي أكدته صراحة المادة 11 من المرسوم المتعلق بإعداد وتنفيذ الميزانية. وإذا ما عدنا إلى أحكام الدستور الجديد، فسنجد الفصل 75 قد جاء بمعظم المقتضيات التي كانت ضمن دستور 1996، باستثناء بعض التفاصيل المتعلقة بالبرامج متعددة السنوات، وتعويض مخطط التنمية الذي كان في الدستور السابق «بالمخططات التنموية الاستراتيجية»، أما ماعدا هذه الجزئيات، فقد حافظ الفصل 75 تقريبا على الأحكام نفسها التي كان يتضمنها الفصل 50 من دستور 1996، وبالتالي لا مجال هنا للقول بأن المادة 45 من القانون التنظيمي للمالية أصبحت تخالف الدستور الجديد. أما عبارة المخططات التنموية الاستراتيجية المنصوص عليها في الفصل 75 من الدستور الجديد، فقد حلت محل العبارة السابقة التي كانت تحيل في الأحكام نفسها على مخطط التنمية، وباعتبار أن الحكومة لا الحالية ولا السابقة لم تقم بتقديم أي مخطط أو برمجة متعددة السنوات طبقا لأحكام الفصل 75، ولم تطلع البرلمان على أية برامج بهذا الخصوص، فلا يمكن إدراج الاستثمارات العمومية المنصوص عليها في القانون المالي ضمن الفقرة الثانية من هذا الفصل والتي ترتب أحكاما خاصة تتعلق بمراجعة اعتمادات ميزانية الاستثمار المرتبطة بها. وعلى هذا الأساس، يتعين القول بأن المادة 45 من القانون التنظيمي للمالية الحالي لازالت موافقة للدستور الجديد، ولا يوجد أي سبب يدفع في اتجاه تعطيلها أو يمنع اللجوء إليها. وبالتالي، وخلافا لما تداوله بعض السياسيين والمتتبعين، تعتبر هذه العملية التي أقدمت عليها الحكومة إجراء قانونيا يُمنح عند الحالات الخاصة والضرورية لتمكينها من وقف تنفيذ بعض نفقات الاستثمار أثناء السنة المالية بسبب الظرفية الاقتصادية والمالية، مع إخبار لجان المالية بمجلسي البرلمان، وتعتبر إجراء موافقا للدستور ولا يشوبه أي خرق للميثاق الأساسي للمملكة، خلافا لما يحاول بعض زعماء المعارضة توجيه إما عن جهل بالقانون أو عن قصد بهدف إحراج الحكومة أمام الرأي العام.     الخلفيات السياسية والتدبيرية   إن التأكيد على قانونية هذا الإجراء ومطابقته للدستور الجديد للمملكة لا يفيد بالضرورة إلغاء النقاش السياسي حول مدى فعالية ونجاعة هذا الإجراء، ولا حول مدى ملاءمته فعليا للظرفية الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المغرب. فهذا الأمر متاح لجميع الفرقاء السياسيين ولجميع الفاعلين الاقتصاديين والمتتبعين على حد سواء، على اعتبار أن التقدير الحكومي قابل بطبيعته للنقاش وللدراسة، كما هو قابل لهامش الخطإ والصواب، خاصة وأن التقدير السياسي للحكومة مرتبط بالمعطيات والمؤشرات التي يقدمها وزير المالية، والذي يُفترض أن يكون قد أقنع بها أعضاء الحكومة ورئيسها، ولا شك أن وزير المالية نزار بركة، قدم مبررات يراها أساسية وضرورية وتقتضي تطبيق هذا الإجراء، كما يُفترض أن يكون قد ناقش قبل ذلك باقي السيناريوهات والاحتمالات ليصل إلى قناعته التي دافع عنها أمام الحكومة بخصوص هذا الإجراء. وعلى هذا الأساس تكون الحكومة قد اقتنعت بدفوعات ومبررات وزير المالية نزار بركة، والتي قدمها أمام رئيس الحكومة وجميع أعضائها من جميع الأحزاب المكونة للحكومة ومن باقي الوزراء المستقلين، ولا يُفترض هنا أن يكون أحد أعضاء الحكومة قد اعترض على هذا الإجراء أو حتى طالب بتأجيل البت فيه للتشاور مع الأحزاب المكونة للأغلبية الحكومية. وبهذا تكون الحكومة قد اقتنعت وقدرت خلال اجتماعها ذاك أن الظرفية الاقتصادية والمالية للمغرب تقتضي توقيف تنفيذ جزء من نفقات الاستثمار، بما يعادل مبلغ 15 مليار درهم، وهو أمر لا شك أنه كان محط نقاش مستفيض داخل المجلس الحكومي، ويبقى في نهاية الأمر وزير المالية هو المسؤول قانونيا وسياسيا عن تقديم أسباب وخلفيات هذا المقترح وهو من يتحمل عبء إقناع رئيس الحكومة وباقي أعضائها بجدواه وبأهميته وبضرورة اعتماده عبر مرسوم طبقا للقانون التنظيمي للمالية. ويُفترض هنا أيضا أن يكون جميع أعضاء الحكومة قد ناقش وزير المالية حول حيثيات هذا القرار وتأثيراته المحتملة على الاقتصاد الوطني، وأن يكون كل عضو في الحكومة قد اقتنع بهذا الإجراء. وأمام هذا الواقع اعتبرت الحكومة أن الوضع الاقتصادي والمالي يتطلب التخفيض من نفقات الاستثمار عبر وقف تنفيذ جزء منها، وهو إجراء رغم أنه قانوني إلا أن الظرف السياسي الحالي يجعل التحفظ عليه أكثر حدة من قبل جميع الأطراف.  

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة