الصويرة: سأرثيك يا شجرة

الصويرة: سأرثيك يا شجرة

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الجمعة 06 يناير 2012 م على الساعة 12:26

محمد الناجي

 أبكي على شجرة. أتذكر جيدا، منذ كنت تلميذا في الثانوية، بداية القصيدة المؤثرة للشاعر رونسار، الذي أرعبه تقطيع الحطابين للأشجار بضرباتهم عديمة الشفقة، القصيدة التي تدين عملهم الشنيع، وتكشف عن الامتدادات السلبية لعملهم. لقد تذكرت هذه القصيدة حين تم ذكر اسم مدينة عزيزة على كل المغاربة. في الصويرة، المدينة العزيزة على كل المغاربة، لم يتردد المسؤولون عن هذه المدينة، طبعا بدون مبالاة بما كتبه رونسار أو شوقي، في اقتلاع شجرة تعود لعدة قرون بشكل وحشي، الشجرة التي كانت مصنفة ضمن التراث الإنساني للمدينة باليونسكو. المشكل يكمن في كون اقتلاع تلك الشجرة، أدى إلى تداعي ذاكرة المدينة، حيث إن هذه الشجرة، شجرة معمرة بالمعنى الحقيقي للكلمة. إنها تقف أمام قلعة المدينة وكأنها شاركت في الدفاع عن المدينة. متيقظة، وصامدة، ومهيبة، تفرض بكل فخر جذورها ذات الامتدادات الكبيرة. كل الفنانين الذين شاهدوا هذه الشجرة، افتتنوا بعظمتها والغموض الذي تخفيه. لقد سحرت هذه الشجرة فنانين عالميين مرموقين بَجلوها بإلقاء بعضا من الأغاني التراثية تحت ظلالها، في جو ساحر تضيئه الشموع. لكن هناك أيادي تطاولت على هذا الصرح التذكاري، دون خجل وخارج القانون. بفعلتهم هذه، فقد شوهوا صورة المدينة بأكملها. ومن كل النواحي، ففعل مثل هذا، جريمة لا تغتفر. ففي جهة من بين أكثر جهات المغرب فقرا وجفافا، يعد صمود أي شجرة، كيفما كانت، انتصارا على العوامل الطبيعية. وعظمة هذه الشجرة تجعلها على رأس قائمة الأماكن التاريخية بالمدينة. لم يتردد أي أحد في وأد هذه الشجرة، ببرودة دم، لأسباب جد بسيطة، لأنه على ما يبدو كانت هذه الشجرة مزعجة. إذن فنحن وصلنا لحد ارتكاب مجازر في مدينة ترمز للذاكرة وللانفتاح المغربي، دون الإشارة إلى أي سبب «مقبول». لكن أين كانت سلطات المدينة المكلفة بحفظ مصالح المدينة؟ حسب رأيي الشخصي، السلطة لا تتجلى فقط في إبراز القوة العمومية، وأبهتها. إنها أولا وقبل كل شيء، هي تلك الشرعية التي تستمدها من هموم المواطنين، والإرث التاريخي الذي توارثه المواطنون عبر العصور. السلطة في المجال العلمي هي تلك التي تحكم بفضل الوعي، والحكمة، والمعرفة. ولأجل تبسيط الأمور، واستعمال اللغة المتداولة من قبل الإدارة، نعني هنا الكفاءة. إذن أين كانت السلطة عندما سمح التوحش بانتشار هذه التجاوزات، وتجاهل المصلحة العامة؟ كيف كان ممكنا القيام بمثل هذا الفعل دون أن تواجهه السلطات، ودون أن تتخذ الإجراءات الاحترازية لعدم وقوع مثل هذا الفعل. حسين الميلودي، رسام مدينة الرياح، والابن الوفي لمدينته ولذاكراتها، وواحد من الرسامين المغاربة الكبار، دق ناقوس الخطر حول نوايا الأشخاص المكلفين بحماية تراثنا، وبشكل أوضح المكلفين بحماية روحنا، وهويتنا. لقد أدهشنا جميعا حين رسم مدينة تواجه خطر الموت، يبقى مصيرها بين لامنطقية وجهل السلطات التي ترأسها، وبين المضاربات التي ستقضي نهائيا على ثروتها. لقد رسم الفنان الميلودي موتى يرجعون لقبورهم، حيث أثارتهم الانتهاكات التي طالت المواقع الأكثر قدسية في المدينة. يجب حماية الصويرة، إنها تشكل جزءا من تاريخنا، وهي تعبير يظل وحيدا عن التعددية المغربية، لقد التغلب بكل شيء، وانخرطت في كل شيء. هذه المدينة مسكونة، لديها روح، ويعبرها نفَس يأخذنا في اللحظة التي تطأ فيها أقدامنا المدينة. أمازيغية، عربية، سمراء، أوروبية، مسلمة، يهودية، مسيحية، …، بنت البحر والصحراء، إنها في ملتقى جميع تجليات هويتنا. وعلى نفس المستوى، يجب احترام جميع المكونات التي تشكل شخصيتها، والحفاظ عليها. وفيما يخص هذه الخصوصية، يجب على السلطات السياحية، والثقافية، والدينية السهر على الحفاظ عليها وحمايتها. ما حدث مؤخرا لهذه الشجرة، التي تشكل جزءا مندمجا من المدينة ومنجزاتها التاريخية، والتي تم وأدها، يعطي صورة جيدة عن المخاطر المحدقة بالصويرة. يجب على السلطات في المدينة إعطاء تفسير حول التهاونات التي فتحت الطريق أمام تجاوزات مماثلة، ولا تنم تلك التهاونات سوى عن عدم الكفاءة.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة