مانديلا: رجل من طينة الأنبياء | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

مانديلا: رجل من طينة الأنبياء

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم السبت 07 ديسمبر 2013 م على الساعة 10:20

،   أن تكون إفريقيا أسود البشرة، أن تعيش حياتك خاضعا لنظام الميز المسمى « أبارتايد »، أن تعتقل من أجل كفاحك ضد الميز والظلم والقهر والتفرقة، أن تودع السجن لمدة تقارب ثلاثة عقود من الزمن، أن توضع في زنزانة انفرادية بلا حاجيات ما عدا فراش « يليق بالمقام »، أن تقضي وقتك المر الطويل في كسر الصخر سنينا عددا، أن تعرف الاحتقار كل يوم، أن ينظر إليك كل لحظة من أيام سجنك من خلال لونك أولا وقبل أي شيء آخر، أن تسمع صرير مفتاح ضخم يفتح بابك الحديدي الأخرس ويعود ليغلقه 19710 مرة في حياتك خلال 9855 يوما بصباحاتها وأماسيها ولياليها، أن ترى كل يوم بشرا آخر جاء من بلاد بعيدة ليحكمك قهرا واغتصابا، أن تسمع صوت الصحن القصديري يصك الآذان وهو يوضع أمام زنزانتك كي يستقبل الحساء المر ليكون وجبتك اليومية، أن تبصر الإهانة البليدة يوميا في نظرات المسئول عن العنبر، أبيض البشرة، أن تستعيد تاريخ أجدادك على الأرض التي لا تسعك أرض غيرها ولو أعطيت لك على طبق من فضة، أن تقيم لوحدك مسجونا منفيا على جزيرة معزولة فترات طويلة من سجنك الطويل، أن تعيش كل هذا ويبقى في قلبك مكان للصفح والغفران، أن تعيش كل ذلك ولا تعشش في فؤادك الضغينة ولا الحقد ولا حب الانتقام، أن يظل البشر كل البشر، جديرين بالاحترام، ويستحقون السعادة على الأرض، أن تستطيع مد يدك، إلى سجانك القديم لتعقد صفقة المستقبل والأمل، من يستطيع كل هذا إلا الأنبياء؟ مع مانديلا، المكان الوحيد الذي تلاقت فيه سبلنا صدفة كان هو جزيرة « كوري » (l’Ile de Gorée) بالسنغال. حين زرت السنغال منذ خمس عشرة سنة أصررت على زيارة جزيرة « كوري » على مقربة من الشاطئ. كنت أعلم أن هذه الجزيرة الملعونة كانت هي آخر ما يراه الأفارقة المخطوفون من بلادهم قبل نقلهم في البواخر في شروط أقرب إلى شروط الجحيم، إلى مزارع أمريكا. دخلت. أول ما استرعى انتباهي ميزان ضخم على يسار المدخل. سألت عن سبب وجوده فأجاب المحافظ: قبل « تصدير » الأفارقة، كان يتم وزنهم بالميزان لتحديد قوة البنية. قبل ذلك ومباشرة بعد وصولهم، يتم توزيع العبيد: الرجال في عنبر والنساء ذوات الولد في عنبر والشابات في مكان والأطفال في مكان رابع، وهكذا يفترق الرجل عن زوجته والابن عن أمه والفتاة عن أسرتها…إلى الأبد. دخلت حجرة طويلة الحجم، ضيقة من جهة العرض. سألت من جديد. لماذا هذا الشكل. أجاب المحافظ: هذه حجرة الأطفال قبل تصديرهم، وهي بهذا الشكل لأنها تناسب طول قامة الأطفال وكانوا ينامون إلى جانب بعضهم رأسا لقدمين. أذكر أنني لم أتمالك نفسي، فسقطت دمعتان من عيني لم أقدر على كبحهما ولم تخفيا على المحافظ الذي قرر عندها أن يرافقني شخصيا طيلة الزيارة. قادني إلى دهليز طويل وانسحب. كان الدهليز يطل في نهايته على باب معد بحيث ينتظم فيه طابور العبيد الطويل لا يمر منه إلا شخص واحد في كل خطوة وأذكر أنني أطلت النظر إلى المنظر الأخير الذي كان العبيد يبصرونه قبل شحنهم إلى منفاهم القاسي فوق الأرض. ثم عدت أدراجي. وجدت المحافظ واقفا بإزاء زنزانة صغيرة تحت المصعد المؤدي إلى الطابق الأول. سألت. أجاب أنها زنزانة العزلة وهي ضيقة قصدا من أجل ردع المخالفين. استأذنته للدخول فرأيت نظرة تعجب على محياه، ذلك أن دخولها يستوجب من المرء أن يطأطئ رأسه ويثني جسده ليجلس بصعوبة على إسفلت بارد في رقعة ضيقة لا يستطيع معها حراكا حين يغلق الباب. تصورت أي إحساس يمكن أن يخامر المرء وهو يقضي أياما عديدة في مقبع كهذا ثم خرجت وقد ضاقت نفسي. تقدم مني مجددا وقد خيل إلي أن تعبيرات وجهه قد خالطتها مشاعر رقيقة. قال المحافظ: في حياتي المهنية لم أر أحدا يقوم بما قمت به إلا رجلا واحدا. قلت من يكون. كان الجواب مربكا بالنسبة لي. كان شيئا شعرت به كتواطؤ نوراني رائع. قال المحافظ كان هذا الشخص هو نيلسون مانديلا، يوم زيارته للجزير 06 دجنبر 2013  

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة