المستشارون.. حكومة ظل أم بنية حقيقية لإنتاج الاستشارة؟ | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

المستشارون.. حكومة ظل أم بنية حقيقية لإنتاج الاستشارة؟

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأحد 01 يناير 2012 م على الساعة 0:27

محمد الناجي

هل نتجه إلى حكامة جديدة بقمة الدولة؟ هذا محتمل بالنظر إلى التعيينات الأخيرة لمستشاري الملك. فهذه التعيينات المتوالية أثارت، منذ إعلانها، اهتمام الملاحظين والمواطنين. بيد أن تعيين فؤاد عالي الهمة هو الذي خلق الحدث وكان موضوع التأويلات المختلفة، بل والخيالية في بعض الأحيان. فهذا التعيين يحمل كثيرا من الدلالة ويبدد العتمات أكثر من كل التعيينات الأخرى. ويتعين على المرء التحلي بالرزانة حين يتصدى لمهمة فك رموز مثل هذه الأحداث التي يجب وضعها في إطار عقلانية أوسع حتى يتسنى استيعاب بعدها الحقيقي. منذ المصادقة على الدستور الجديد، أخذت تظهر ملامح منطق جديد يروم إعادة النظر في طرائق اشتغال الدولة ودفعها في اتجاه توزيع أكثر توازن للسلطة بين الملكية والحكومة المنبثقة من صناديق الاقتراع. ولعل  تأكيد موقع العدالة والتنمية كأول قوة سياسية بالبلاد، بعد الانتخابات الأخيرة، يعتبر تجسيدا صارخا لهذا التوجه. و يجب وضع تلك التعيينات في هذا الإطار، بعيدا عن أي موقف مسبق. إن وظيفة المستشار الملكي شهدت تحولا مهما منذ وصول الملك محمد السادس إلى الحكم. وقد تآكلت هذا الوظيفة لدرجة أن المستشارين الملكيين فقدوا كثيرا من صلاحياتهم، بالتالي جزءا مهما من نفوذهم. ونتيجة لذلك، جرى إعادة تحديد حقل اتخاذ القرار في محيط الملك، وأصبح رفاق الملك هم الفاعلون الأساسيون في مسلسل اتخاذ القرار. وكان العديد من الملاحظين قد ربطوا، آنذاك هذه التطورات، بوجود صراع الأجيال بين المستشارين الشيوخ ورفاق الملك الشباب والذين يسعون إلى تأكيد حضورهم وتحقيق طموحاتهم. والواقع أن تراجع قوة أحزاب المعارضة اليسارية هو الذي كان بالأساس سببا في ذلك التحول. إذ تراجع دور المستشار الملكي، الذي كان الوسيط الأساس في تدبير الصراعات مع المعارضة، وفي الإبقاء على قناة التواصل معها، مع ظهور السياق الجديد، حيث صارت السلطة الملكية موضوع إجماع داخل المجتمع السياسي المغربي. فمع تجربة التناوب التي أكدت دخول الاتحاد الاشتراكي إلى الصف، وغياب أي اختلاف مع التوجهات التي يمليها القصر، لم يعد لوظيفة الاستشارة الممأسسة في المحيط الملكي أي أهمية، فآلت إلى الرفاق المقربين مهمة تدبير العلاقات بين الملكية ومختلف الفاعلين الآخرين. وهذا الأمر نتج عنه اختلال في بنية الدولة وغياب للشفافية في مسار اتخاذ القرار. ومع ذلك فهذه المجموعة من المقربين جدا من الملك محمد السادس كانت وراء عدة مبادرات جديدة ومثيرة في مجالات مثل إعادة ترتيب حقل حقوق الإنسان وغيرها. إن هذا الوضع غير المنظم سمح بظهور دوائر من الوسطاء، حول دائرة السلطة  وأدى  في بعض الأحيان إلى بروز فاعلين، ليسوا فقط جاهلين بالعقلانية الضرورية لسير الدولة، بل إنهم لا يهتمون في بعض الأحيان سوى بمصالحهم الذاتية. هكذا، تتراخى الروابط مع المجتمع، فتظهر قوى جديدة في الأفق، حول التيار الإسلامي بالخصوص. وفي هذا الإطار بالذات أخذ يظهر التوتر بين الناطقين الجدد باسم الاحتجاج وبين السلطة. وبما أن التدبير العادي لهذه النزاعات بدا محفوفا بالمخاطر، فإن القصر حاول التدخل مباشرة والنهوض بمهمة إعادة هيكلة الحقل السياسي درءا لخطر الحركات الإسلامية.  بيد أن الربيع العربي، وظهور حركة 20 فبراير غيرا المعادلة وفرضا إعادة توزيع للسلطة، الطريقة الوحيدة الكفيلة بامتصاص الصدمات التي يمكن أن تنجم عن الوضع الجديد. وبالتالي فالانتخابات التي تلت تلك التحركات والتي كرست صعود حزب العدالة والتنمية الذي لم يكن سوى انعكاسا باهتا للاحتجاجات، فرضت على المسؤولين إعادة تنظيم العلاقات بين الملكية وبين محيطها. وأكدت الوساطة الرسمية من جديد أنها الوسيلة الأمثل الكفيلة بتدبير العلاقات مع الإسلاميين الذين يوجدون في السلطة. وهكذا انبعثت وظيفة المستشار الملكي من رمادها من جديد. فتدخل المقربين من الملك بصفتهم هذه لا يمكنه، في ظل الدستور الجديد، إلا أن يضر بالإرادة المعلنة لإرساء ميزان قوى جديد يقوي بشكل ملحوظ من دور رئيس الحكومة. إن المستشار الملكي سيستعيد إذن مكانه، وسيكتفي رفيق الملك بارتداء الجبة اللائقة به. وهذا سيضفي عليه مزيدا من المصداقية  بما أنه سيشتغل في إطار الشفافية وسيتحرك باسم الملك بشكل رسمي. كما أن الحكامة ستكسب مزيدا من الفعالية مادام أن مساحات الغموض ستتقلص بشكل ملحوظ، لأن حقل اتخاذ القرار سيكون محصورا في الديوان الملكي، ولعل هذا ما يبرر التعيينات المشار إليها أعلاه. إن الملفات الأساسية والمشاريع الكبرى التي أطلقها الملك ستكون بين يدي من يدبرها في إطار هيكل واضح حول العاهل، وذلك لتحظى بالعناية والتدبير الأفضل للمحادثات بشأنها مع الحكومة. إن الملك، في الواقع، لا يحتاج إلى حكومة ظل، فهو مازال يتمتع بما يكفي من الصلاحيات التي تخول له التحكم في عمل الحكومة المنبثقة عن الانتخابات، بل هو في حاجة إلى مستشارين أكفاء.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة