لقد قـتلوا السيدة عائشة البيجيدي والمرأة | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

لقد قـتلوا السيدة عائشة البيجيدي والمرأة

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 30 يناير 2012 م على الساعة 17:14

منذ ألف سنة ونصف، ونحن تلازمنا بصمة العار هذه، تلك التي تتعلق بالوضعية المزرية للمرأة داخل مجتمعنا. وبتغييب حضور المرأة داخل الحكومة، وهذا فقط الجزء الظاهر من جبل الجليد، فإن البيجيدي كشف لنا فقط عن واقعنا البئيس، ويجب بأن نشكره على صراحته بخصوص هذا الأمر. لقد كشف لنا عن الواقع الذي يتأسس على هيمنة الذكور على مجتمعنا. لقد قضى كليا على أوهامنا حين ذكرنا بالوضع القائم. ويحرص البيجيدي على تذكيرنا بأن هذا هو الوضع في أرض الإسلام. لكن طعم هذه الحقيقة يبقى طعمها مرا… تخيلوا معي سباقا للعدو السريع يتأخر فيه العداء منذ البداية بسبب أحد القيود الثقيلة التي تجعله بالقوة يصل دائما في المرتبة الأخيرة. هذا هو مصير المرأة داخل مجتمعنا. ربما أذنبت منذ البداية. المرأة في مجتمعنا محكوم عليها بأن تظل دائما خاضعة للرجل وأن تظل رهينة للقيود. إنها خارج السباق، بسبب العار الذي تجلبه منذ ولادتها. لا يمكننا أبدا الدعوة إلى المساواة. وبهذا الصدد كانت الآية الكريمة واضحة: «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ». لكن تبرز القسوة داخل هذه الآية عندما نعرف معنى كلمة «قوامون» التي يرجع أصلها لكلمة «قوم»، وتفيد، حسب بعض المفسرين، أن الرجال هم عماد المجتمع ودور النساء داخل المجتمع لا يتساوى مع دور الرجال. لقد تم إبراز أبهة العنصر الذكوري داخل المجتمع من خلال الانتصارات والنصوص التي تمجد الرجال، بغية جعل المرأة كائنا تابعا للرجال ولأجل إنكار حقها في المساواة حتى في الميراث. بالنسبة إلي ولكوني مواطن على اطلاع وبسبب انتمائي للثقافة الإسلامية، فإنني لا أصغي إلى مثل هذه الخطابات. ماذا عساي أقول لزوجتي أو لابنتي إن كانتا أكثر كفاءة مني؟ ما هي الادعاءات التي يمكن أن أتذرع بها أمام صديقاتي وزميلاتي الناجحات، لكي أبرر لهم «تفوقي الذكوري»؟ لا يمكنني اليوم أن أدعي أمام النساء، بأن لدي تفوقا ينبع من ذكوريتي، وأن أستعين في ذلك بغروري كفحل. لقد جاء الوقت لإعادة النظر في هذا الأمر ومواجهة التحديات الحقيقية للحداثة. والبيجيدي أبان عن تراجع في هذا المجال، واتخذ ذلك الموقف الذي يأخذ النصوص الجديدة دون النظر فيها، ويغيب النقاش والمراجعة تلك المواقف. الهم الوحيد لهذا الحزب هو تجميد الصيرورة التاريخية. إنه الحارس الجديد للمعبد. ويكتفي فقط بتقليد المواقف السابقة، تلك التي تأسس عليها التاريخ المحرف والذي لا يتم تكرير سوى الأشياء المتواضعة فيه. لدي قراءة مغايرة لتاريخنا، النقاش الذي أتحدث عنه ليس بالأمر الجديد. فخلال نشأة الإسلام قيد الذكور المهيمنون حرية المرأة. لقد حرصوا على تغييب صوتها، لكن النساء لم يتقبلن ذلك بسهولة. لقد قمن بالاحتجاج على ذلك وبشكل كبير. وقدمن ضد التقسيم غير العادل للميراث حججا لا غبار عليها: بما أننا خلقنا الله مثلنا مثل الرجال، فلماذا يتم إعطاؤنا نصف ما يعطى لهم؟ لماذا ونحن مثلكم ومعكم، عانينا الكثير من أجل إعلاء كلمة الله؟ وعلى أي أساس يتم منعنا من المشاركة في الجهاد؟ كانت احتجاجات النساء شديدة في العديد من الميادين الأخرى. نفس الأمر يسري كذلك على الاستغلال الجنسي للمرأة، والحريات التي يمنحها الرجال لأنفسهم في معاملة النساء. نحن على دراية بالآية الكريمة التي تقول: « نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم.» لقد ساهمت النصوص في التخفيف من حدة الغضب الذي كان يحدث في عصر الرسول نفسه. بعض من زوجاته لم ينجرفن مع التيار العام. وقد أصبحن صوتا للاحتجاجات النسائية التي تزايدت حدتها خلال عهد الرسول. لقد احتجت المرأة ضد اللامساواة منذ البداية، أي في اللحظة التي تم فيها وضع أسس نظام اجتماعي جائر في حقها. لقد تم إقصاء صوت المرأة دون سابق إنذار. الأئمة الذين كانوا يعززون الاتجاه العام كانوا واضحين بهذا الصدد. فالسيدة عائشة، الزوجة الصغرى للرسول، طلب منها الاهتمام فقط بلُعبها وعطورها. هذه المرأة العالمة والمحبة للشعر والموسيقى وذات الشخصية الفريدة، والتي كانت بارعة في البلاغة وتتمتع بروية سياسية، تم تقديمها في بعض الأحيان على أنها تحاول تحويل أنظار الرسول عن رسالته السماوية. فلم تكن لديهم أي وسيلة أخرى لإفراغ مواقفها من بعدها المنطقي و «الثوري». هذا هو الذنب الأصلي. الحس النقدي لدى هذه المرأة لم يسبق له مثيل إلى حد دفع الناس إلى التخوف من الأسوأ، بل وكانوا يخشون أن يزعج هذا الأمر الرسول في العديد من المرات. ولهذا الأمر بالذات تكلف البعض «بقتلها» حسب الأعراف القائمة. وقد تم لهذا الغرض الاعتماد على أبي هريرة لإسكاتها، ببساطة لكونها امرأة، ولذكائها الشديد، ولتخوف العديد من الصحابة منها، والذين لم يكن في استطاعتهم مجابهة أقوالها. الذاكرة الإسلامية بعد ذلك أصبحت ذكورية. وكانت هذه المرأة، في شخصها وفي المكانة التي كانت تحظى بها، حجة حول حق المرأة في المساواة. لكن تم نفيها من التاريخ وتحويلها إلى أيقونة غير ضارة. وبذلك تم إقصاؤها اجتماعيا وسياسيا، ودفنت مع هذا الإقصاء حقوق بنات جلدتها. إن البيجيدي تورط بشكل سيء في هذا النهج الذكوري، ويعطي لهذا النهج زخما جديدا. النهج الذي ينكر حقوق المرأة. وينبغي هنا الإشارة إلى أمر جد مهم: ثلاث نساء كان لهن دور كبير أثناء بروز الإسلام، ومن المحتمل أنه بدونهن لم يكن ليرى النور. السيدة خديجة التي يعرف الجميع دورها الكبير في رعاية الرسول، والسيدة عائشة، المستشارة والزوجة، بنت أبي بكر الذي كان أول من ساند الرسول، والسيدة فاطمة، الأثر الحي للرسول محمد. والبيجيدي، مثله مثل أسلافه، لا يحمل  «مثلث بيرمودا» لأن الحداثة التي يحمل في طياته يمكن أن تبتلعه.       >  محمد الناجي > 

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة