حسن طارق يعطي دروسا لحكومة بنكيران في تنزيل الدستور

حسن طارق يعطي دروسا لحكومة بنكيران في تنزيل الدستور

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 17 يناير 2012 م على الساعة 16:17

حسن طارق

بغير قليل من الروية، تسارع الأغلبية السياسية إلى استهجان كثير من الملاحظات التي تقدمها المعارضة في باب ما أصبح المعجم السياسي المغربي يصفه « بالتنزيل السليم للدستور »، استهجان أقرب ما يكون إلى التتفيه المنهجي لكل دفع بعدم الدستورية، تارة بدعوى حاجة ملحة للاهتمام بالأمور الجوهرية والمهمة وترك جانبا ما قد يبدو مجرد تمسك واهن بشكليات وجزئيات وأمور تقنية، وتارة أخرى باسم شعبوية سياسية تعتبر الدستور آخر ما قد يفكر فيه المواطنين أو يضعونه في أفق انتظاراتهم. هنا لابد من التأكيد أن الدساتير توضع لكي تحترم، وان الدفوعات الشكلية في المادة الدستورية تعتبر بالتعريف دفوعات في الجوهر، نعم تنهض الدساتير على التاريخ كما تتأسس على الأفكار والمبادئ الكبرى، إنها ترجمة قانونية لفكرة المشروعية، لمبدأ فصل السلط، لكن سمو الوثيقة الدستورية يقتضي احترام شكلانيتها، مساطرها، إجراءاتها، آجالاتها، جزئياتها، هذا الاحترام هو ما سيضمن التقدير الواجب للأفكار والقيم والمبادئ والمرجعيات. نعم إن الدستور ليس صندوقا سحريا لإنتاج مناصب الشغل والطرق السيارة ومعدلات النمو والحماية الاجتماعية، إنه مجموعة قواعد وحزمة إجراءات وشكليات. لكن هذه القواعد وضعت لتأسيس تعاقد سياسي واجتماعي مبني على فصل السلط، وعلى ضمان المسؤولية السياسية وعلى تأمين حماية الحقوق. قد يبدو إجراء ما -لوحده- معزولا عن سياقه وعن ذاكرته وعن تاريخيته، وعن تطبيقاته المقارنة، مجرد عملية شكلية بدون معنى تقريبا. لكن الغالب أن ذلك الإجراء أو تلك الشكلية حاملة لمضمون سياسي وحقوقي ورمزي مؤكد. لقد خيضت ثورات سياسية وحقوقية،ومعارك فكرية و فلسفية، في الغرب، دفاعا عن مبادئ الديمقراطية ودولة الحق، ثم جاءت الدساتير لتدون كل تلك الصيرورة ،من صراعات و توافقات و تدافعات ،في صيغ إجراءات وشكليات ومساطر. نعم إن المغاربة ينتظرون تطوير المدرسة وحل إشكالية العطالة، وتمنيع الاقتصاد، لكنهم واعون تماما أن العطب الدستوري شكل جزءا حقيقيا من كل مشاكلهم، ويريدون أن يكون دستور 2011، -كما فهموه دستورا للمسؤولية السياسية- جزءا من حل هذه المشاكل. إن الدفاع عن الدستور ليس قضية أغلبية ومعارضة، إنه ليس دستور الأغلبية ولا دستور المعارضة، إنه دستور كل المغاربة بكل مؤسساتهم وانتماءاتهم، لذلك فالدفاع عنه هو قضية مبدأ تهم كل الديمقراطيين.   حول التنصيب البرلماني: يعتبر التنصيب البرلماني للحكومة، كترجمة لفكرة المسؤولية السياسية أهم ملامح البعد البرلماني في الأنظمة الدستورية والسياسية. وفي التجربة الفرنسية ترجع تقاليد مسطرة التنصيب البرلماني إلى الجمهورية الثالثة (1940-1975)، حيث كان رئيس الدولة يعهد إلى شخصية سياسية بتشكيل الحكومة، ثم يقوم هذا الأخير باقتراح وزارئه على رئيس الدولة الذي يوقع مراسيم  تعيينهم، لتتقدم الحكومة بعد ذلك أمام مجلس البرلمان من أجل التنصيب. أما خلال الجمهورية الرابعة، فعرفت مسطرة التنصيب مرحلتين: المرحلة الأولى  قبل إصلاحات عام 1954، حيث كان رئيس الدولة يكلف شخصية سياسية بتشكيل  الحكومة،  وكانت هذه الأخيرة بعد إعدادها للبرنامج الحكومي تتقدم فقط أمام الجمعية  الوطنية، وإذا حظي هذا البرنامج بالأغلبية المطلقة لأعضائها يقترح بعد ذلك رئيس الحكومة المنصب، أعضاء حكومته على رئيس الدولة الذي يصبح ملزما بإصدار مراسيم تعيينهم. المرحلة الثانية، عرفت تغييرا في الأغلبية اللازمة للتنصيب، تم في كون رئيس مجلس الوزراء أصبح مطالبا باختيار فريقه الوزاري قبل عملية التنصيب. مغربيا، لقد شكل التنصيب البرلماني كتجسيد لمسؤولية الحكومة أمام مجلس النواب، إحدى المطالب التاريخية للأحزاب السياسية في بلادنا، حيث دعت المذكرة المشتركة لحزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، المرفوعة بتاريخ 9 أكتوبر 1991، للملك الراحل الحسن الثاني، إلى « ربط تقديم الوزير الأول المعين من جلالة الملك للبرنامج الحكومي أمام المجلس (= مجلس النواب) بالتصويت عليه وحصوله على الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين  يتألف منهم مجلس النواب، وفي حالة إذا لم يحصل البرنامج على الأغلبية المطلقة يمنح الوزير الأول فترة تأمل لمدة أسبوع  يعود بعدها أمام المجلس حيث يكفي أن يحصل البرنامج الذي يتقدم به على الأغلبية النسبية لأعضاء المجلس وحينئذ يشكل الوزير الأول الحكومة ويتقدم بلائحة أعضائها إلى جلالة الملك الذي يقوم بتعيينهم ». واستمراراً لنفس المنطق، نجد تقريبا نفس التصور في المذكرة المقدمة من طرف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أمام اللجنة الاستشارية المكلفة بمراجعة الدستور بتاريخ 28 مارس 2011، حيث تم اقتراح ما يلي: ⎫ « يعين الملك رئيس الحكومة الذي يعرض عليه فريقه الحكومي. ⎫ يتقدم رئيس الحكومة المعين أمام مجلس النواب ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه. ⎫ بعد التصويت على البرنامج الحكومي يعين الملك باقي أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها ». أما على مستوى الممارسة ،فيمكن داخل التجربة الدستورية المغربية، تحقيب المراحل التي مرت منها وضعية الحكومة في علاقة مع البرلمان  ومن زاوية  مسؤوليتها السياسية، من خلال ثلاثة لحظات أساسية: ⎫ لحظة المسؤولية الأحادية للحكومة أمام الملك؛ ⎫ لحظة المسؤولية المزدوجة للحكومة أمام الملك ومجلس النواب؛ ⎫ لحظة التنصيب البرلماني.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة