عندما تفتح الحدود

عندما تفتح الحدود

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 08 فبراير 2012 م على الساعة 21:31

لست من أولائك المولعين بالتطبيل لفتح الحدود مع الجيران في الجزائر، فأنا لا أعطي كبير أمل لتحسن الوضع الاقتصادي في البلاد نتيجة مباشرة وحتمية لهذا الفتح المبين والمزعوم وغير المنظور في جميع الآفاق لا القريبة منها ولا البعيدة ولا التي توجد بينهما..  لن أصدق نهائيا أن جيراننا الشرقيين يمكنهم في يوم من الأيام أن يقيموا معنا علاقات تجارية قوية على حساب علاقاتهم مع الجار القوي في الشمال « الاتحاد الأوربي ». بالنسبة لي من ثامن المستحيلات، أو تاسعها أو عاشرها (…) لست من العادي، أن يسمح كبرياء جيراننا بالإقبال على منتجاتنا البئيسة الجودة، الشماليون ليسوا مستعدون أن يتركوا لنا زبونا قويا يقايض الطماطم بالبترول والأسماك بالغاز الطبيعي، وما ينتجه سطح الأرض بما يوجد في باطنها، هذا إذا سلمنا أننا حققنا اكتفائنا الذاتي وبتنا قادرين على منافسة أوربا وأمريكا والقوى الصاعدة في العالم.  لماذا أتحمس لفتح الحدود تلك؟ لا تعجبني الطبيعة عند الجار الشرقي، لأصبح سائحا في بلاد « أمير الجهاد » عبد القادر بن محيي الدين، ففي النهاية جبال أطلسنا المتوسط والكبير تمتد عندهم لتصبح أطلسا تليا أو صحراويا، أو أن الأخيرة تمتد عندنا أطلسا مختلف الأحجام، ورمال صحرائنا امتداد لرمال صحرائهم،  فمن طبيعة الصحاري وسكانها عدم الاعتراف بالحدود السياسية، هضابهم هي هضابنا وكذا السهول، بل هضاب بلادي وسهولها أوسع وأجمل، رياحهم هي نفسها رياحنا، ومناخهم هو مناخنا متوسطي وقاري وصحراوي، وإن كان مناخ بلادي ألطف قليلا، شجرة الأرز تستوطن جبالنا وجبالهم، تعاني عندنا كما تعاني عندهم، وإن كان الله حبانا بشجرة لا تنموا إلا عندنا هي شجرة الأركان وهي تعاني عندنا أيضا، والتي لم يفلح العديدون في استنباتها في أراضيهم، ولما نجحوا في الزرع ظلت عاقرا، حتى وحيش برارينا نفسه وحيش براريهم، ولا أعتقد أنني سأرى جديدا في عمرانهم  لسبب بسيط هو أن المهندس والباني هو نفسه المهندس والباني عندنا، وإن كان أطال عندهم المقام أكثر مما أقام عندنا، فإذا حللت في الجزائر العاصمة أو أي من مدنها الكبيرة كأنك تتجول في الدار البيضاء أو أي من مدننا الكبيرة، وقريبا جدا سيصير لهم جامعهم الأعظم كما جامعنا، عندهم أمازيغيون أعرق في البلاد من العرب كما عندنا، ولهم نفس مطالب أمازغيينا، ومنهم من يود إعادتنا من حيث أتينا نحن العرب يوما. التاريخ نفسه عندنا وعندهم، منذ وطأت قدما بشر هذه الرقعة من العالم، بقاياه التي توجد عندهم تضاهيها التي توجد عندنا، هناك « مشتى العربي وبئر العتير » وهنا « جبل إيغود ودار السلطان وتافوغالت » وغيرها من المواقع الأثرية، هنا كانت مماليك مورية أمازيغية هناك أيضا، هناك بقايا مدن الاحتلال الفينيقي ثم الروماني ثم البيزنطي والوندالي وهنا الشيء نفسه، هنا الفتح العربي الإسلامي وما بناه من عمارة وعمران وهناك أيضا، هنا منبع المرابطين وهناك تكملة دولة الموحدين، وإن كان الأشقاء يصرون على القول أن المؤسس الحقيقي للدولة الموحدية هو « عبد المومن بن علي الكومي » الجزائري وليس « المهدي بن تومرت » المغربي..  هناك كانت الدولة العثمانية وهنا وقف القائمون لها بالمرصاد، هناك كان الاحتلال الفرنسي وهنا أيضا، وإن أصر الإخوة هناك على اتهامنا بخذلان أمير الجهاد عبد القادر، كما فعل واسيني الأعرج في رائعته « كتاب الأمير، مسالك أبواب الحديد » (عمل روائي) يلوموننا وكأنا كنا قادرين حتى على حماية بلادنا وحدودها فبالأحرى ندود على حدود الآخرين، ورغم ذلك حاولنا وناورنا وأمددنا، وفي النهاية عجزنا فأخذنا بجريرة الأمير وجيشه، لهذه الأسباب وغيرها الكثير لا أعتقد أنني سأرى شيء جديدا عند الأشقاء. أنا أرنو إلى فتح الحدود لسبب واحد هو أني أشعر بالاختناق هنا، أريد أن أصل قرابة الدم مع امتدادي في الشرق، كم أشتاق إلى الوقوف على تمثلي عند الآخرين المشابهين لي، وددت يوما لو تتاح لي الفرصة، آخذ القطار البطيء من البيضاء إلى القاهرة، نتوقف قليلا في وجدة، لا ليقال لي قف هنا ينتهي السير، بل لنقل ركابا آخرين، فتكون محطتنا القادمة تلمسان الآسرة، فوهران الباهرة ثم الجزائر العاصمة، أرتاح يوما أو بعضه لأكمل في القطار الآتي بعده إلى تونس الثائرة، ثم طرابلس العامرة ثم أجدابيا الصامدة، فندخل بنغازي الباسلة نقضي بها اليوم والليلة المقمرة، نستمع فيها إلى حكايات الأشقاء مع الثورة الظافرة، ونبكر صبحا لندرك قطار القاهرة، نتناول وجبة الغداء في الإسكندرية ونزور مكتبتها الزاهرة، لنواصل السفر صوب القاهرة فندخلها باكرا، نرافق الشمس تجلوا عن سكانها غطاء الليل وعجرفة الجبابرة، تقول مرحى أبناء الكنانة اليوم لا حرج عليكم، سيأتي عليكم يوم تتعلمون أصول المواطنة الكاملة لتعلموها لأشقاكم في البلاد العربية شرقا وغربا وجنوبا، أجوب كل تلك البلاد باطمئنان وأضمن العودة متى شئت دون أن يقول لي أحد قف هنا تنتهي صلاحية بطاقة تعريفك القاصرة، لهذه الأسباب وددت لو تفتح تلك الحدود الغابرة.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة