حرق الذات، طريقة موت تنتمي إلى العصور السابقة | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

حرق الذات، طريقة موت تنتمي إلى العصور السابقة

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأحد 05 فبراير 2012 م على الساعة 11:03

كم هي خانقة رائحة الأجساد التي تحترق. يجب أن يصل اليأس إلى حدوده القصوى التي لم تعد تسمح بوجود أي بصيص من الأمل للإقدام على القيام بمثل هذا العمل الجهنمي. لكن أصبح الأمر العادي هذه الأيام أن يقوم بعض الأشخاص بوضع حد لحياتهم عن طريق إضرام النار في أجسادهم. يجب علينا الإقرار بأن مثل هذا الفعل أصبح أمرا مبتذلا، لا يشكل حدثا إعلاميا، رغم نفاق أجهزة الإعلام. وفوق كل شيء، فعملية حرق الذات يتوقع منها أن تشكل شرارة لإشعال فتيل احتجاجات الجماهير داخل العديد من المئات الكيلومترات. ما يراد من وراء فعل إحراق الذات، المحفز الذي يتوارى خلف سطور القصاصات الإخبارية، عندما لا يتم الحديث عن ذلك مباشرة، هو تقليد للثورة التونسية التي خرجت من شعلة الانتفاضات. لكن لا تحدث أي ثورة، ولا يساهم فعل حرق الذات حتى في إذكاء شرارة الاحتجاجات داخل المحيط القريب. الشخص الذي يشعل النار في ذاته يقضي وحيدا في عزلة جهنمية وتراجيدية تشبه مصيره في النار. لقد أطفأت الريح لهيب تلك النار. تلك النهايات التراجيدية تعبر عن غايات لا يحسد عليها البعض من إخواننا، الذين يقررون القيام بإحراق ذواتهم، الفعل الذي ينم عن يأس متهور في ظل التزايدات المحيطة بهم. الأشخاص الذين يحرقون ذواتهم يدعون أن ذلك عملا ينم عن الشجاعة والاستعداد للاستشهاد. لكن سبب كل ذلك هو البحث عن عمل. من المفترض أننا نعيش في إطار دولة تتبنى اقتصاد السوق ولديها سوق للعمل. لماذا إذن لا تستجيب الدولة إذن لمطالب المعنيين بالأمر؟ هذا السؤال ثانوي، في ظل وجود سؤال آخر أكثر إلحاحا. كيف يتحول طلب عمل إلى القيام بحرق الذات؟ كلنا نعرف أن هناك وسائل أخرى للدفاع عن القضايا العادلة والحقوق الشرعية. كان بإمكان النشطاء، متى اضطروا لذلك، اللجوء إلى وسائل سلمية، أو اللجوء إلى العنف، سواء بشكل اختياري أو تحت ضغط الحاجة. إنهم بذلك سيرغمون السلطات المعنية على الاستجابة لمطالبهم. ربما سيتم الاستجابة لمطالبهم، وإذا لم يتم ذلك ستتم متابعتهم وفي أسوء الحالات سيجري اعتقالهم. لكن كفاحهم وصبرهم هما من سيجعل منهم أبطالا، وستجعل منهم كذلك أشخاصا قادرين على تحدي جميع العقبات ماداموا مقتنعين بمشروعية مطالبهم. حياتهم، حتى خلف القضبان، دليل حي على إصرارهم وعدم تخليهم عن قضيتهم. بذلك لا يحرمون أنفسهم من حقهم في العيش، فعظمتهم تزداد بسبب صبرهم. عقلانية المجتمع المعاصر تتجسد في ضمان حق الأفراد في الكفاح بشكل مفتوح وشرعي من أجل الدفاع عن حقوقهم. النقابات، والجمعيات، واللجوء إلى القضاء، والتظاهر في الشوارع، الذي ترافقه تبريرات مفصلة وشعبية لتلك المطالب، شكلت وسائل لتأطير أي احتجاجات. عندما يفشل أي نظام في الاستجابة لتلك المطالب عندما تكون شرعية، فيجب عليه التنحي لأنه غير قادر على امتصاص الصدمات التي يحدثها. لكن حرق الذات يظل مسألة مختلفة. الموت من أجل الموت، لا يمت بأي صلة للعقلانية المعاصرة للمواطنين. لا شيء يأتي بعد الموت، لأن الموت بمثل هذه الطريقة يظل فعلا مجانيا. الموت لا يمكن أن تنفذ أي مطلب، ولا تلتهم النار سوى لهيبها. خيار الموت ينتمي إلى المجتمعات القديمة، حيث كان الموت أحد الخيارات المطروحة أمام الأفراد في أي لحظة. المرض كان بإمكانه أن يؤدي بسهولة إلى الموت، مثله مثل المجاعة المزمنة التي كان تعاني منها فئات عريضة من المجتمع. التاريخ يذكرنا بمصير العديد من العائلات، التي كانت تحاصرها المجاعة، والتي كانت تغادر المدن، وتفضل العيش في عزلة في خيام في انتظار الموت. لكن الأمر كان يتعلق هنا بمجتمعات لا تستطيع فيها آليات الإنتاج تغطية حاجيات جميع المواطنين. كان الناس يقضون في تلك الفترة بسبب اللامبالاة المعممة. الأمر يختلف كثيرا داخل مجتمعنا، هذا الموت عديم الجدوى هو نتاج لنظامنا في إنتاج وإعادة إنتاج النخبة. نظامنا التعليمي المخرب لا ينتج أي منافسين، ولا ينتج سوى المساعدين والمطالبين بالشغل، الذين لا يمكن لومهم بسبب مطالبتهم بضمان مستقبلهم. لم يتم تكوينهم لمواجهة المجازفة. يجب أن تتحمل الدولة مسؤوليتها. الخطاب حول الضرورة الملحة لإيجاد نظام إنتاج تنافسي وإدارة تتميز بالحكامة الجيدة، لا يمكن أن يتغاضى عن ضرورة إيجاد مدرسة تكون الناس على كيفية الكفاح، والدفاع عن قضاياهم والإبداع. كما قال القدامى، من زرع حصد.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة