العدالة والتنمية والحكامة.. لماذا؟ وإلى أي حد؟

العدالة والتنمية والحكامة.. لماذا؟ وإلى أي حد؟

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 12 مارس 2012 م على الساعة 13:46

  ها هو حزب العدالة والتنمية يفصح عن نيته، ويقول إنه سيتصدى لورش الحكامة. وكل من يعرف اليم الذي يبحر فيه لا يسعه سوى أن يتمنى بأن تجري الرياح بما تشتهيه سفنه. فمما لا شك فيه أنه حتى وإن تسلح بكل الإرادات الحسنة الموجودة في العالم فلا يمكن تحقيق المعجزة في الاقتصاد الوطني، والعصا السحرية التي كانت تسعفه في مواعظ الماضي لن تجدي نفعا. فمهما فعل، لن يكون بمقدوره تغيير نسبة التساقطات الضرورية بالنسبة إلى القطاع الفلاحي.أما فيما يخص الباقي، فالسوق العالمية تفرض قانونها فرضا، ويكاد يستحيل عليه مواجهتها وقلب معادلتها. على صعيد آخر، يبدو الحزب واعيا بأنه قطاع التعليم المنيع، والذي تربطه به علاقة وجدانية تهدئ من حماسه. هذا دون الحاجة إلى الحديث عن قطاعات أخرى المرتبطة بالمجال الاجتماعي والتي أخذ منها مسافة بطريقة ميكيافيلية. وبما أن الحزب لا يتوفر في حقائبه على أي استراتيجية جذرية  تخول له إعادة النظر في النظام الاقتصادي والاجتماعي، وضمنه العمل على  توزيع أكثر إنصافا للثروات عبر اللجوء إلى نماذج توزيع أخرى لوسائل الإنتاج، فقد كان عليه البحث عن « زاوية » لها طابع نظامي « systemique » ويمكن لسياسة التواصل استثمارها لادعاء التغيير الجذري. بالتالي فأمر اختيار الحكامة لم يكن مجرد صدفة ولا خيارا نابعا عن إدارة واعية. بل إن حزب العدالة والتنمية وجد نفسه في طريق ذات اتجاه واحد وكان عليه السير فيه. إذن فالأمر هنا يتعلق بإكراه وليس خيارا متعمدا. وأفق خيار الحكامة يتلاءم بشكل جيد مع الخطاب الأخلاقي التي كان يتبناه قبل الانتخابات. وهذا الخطاب يخلق وهما بأن التغيير الكبير يلوح في الأفق: فسنقضي على الفاسدين. وهذا يسعد عامة الشعب الذين يريدون رؤية عدد من الرؤوس وهي تسقط ! إن الأمر هنا لا يتعلق بالتشكيك في صدق نوايا هذه السياسة، فحزب العدالة والتنمية يبذل، بدون أدن شك، كل ما يستطيع، ولكن لا يبدو أنه يتوفر على سياسة مفكر فيها مسبقا ومعدة بشكل دقيق، وهذا الأمر لم يعد في حاجة إلى دليل. وبالتالي فهذا الحزب قد يؤدي الثمن غاليا، إذ سيجد نفسه في الفخ بسبب وعوده الانتخابية. وسيجد نفسه مقيدا في مواجهة حقول مغلقة لا يعرف شفراتها ولا مداخلها ومخارجها. إن البراغماتية علمته أن يترك جانبا المجالات الملغومة التي يبحر فيها دون أن يكون متحكما في دفة القيادة، ووضع فراغ برنامجه واندفاعه الأخلاقي على مدار الحكامة التي كانت، ولا يجب أن ننسى هذا الأمر، عقيدة خاصة بمقاولات النظام الرأسمالي المتقدم التي تتميز بتراتبيتها العالية وبتفكيرها العقلاني وفعاليتها كمؤسسات تروم تحقيق أكبر قدر من الربح. أما في بلد سائر في طريق النمو، فإن موضوع الحكامة يبقى في الواقع منتميا إلى حقل الإيديولوجيا أكثر من انتمائه إلى الواقع الملموس، ويظل على العديد من الأصعدة أمنية مشوبة بكثير من المسوح الأخلاقية. وبالتالي فليس من الصدفة في شيء أن يجعلها حزب العدالة والتنمية مطية، ولكن هذا الاختيار لا يخلو من سذاجة. إذ بقدر ما يحاول أن يبدو نظاميا (systémique) في مقاربته الشمولية، فهو يشكو من غياب هذه النظامية، ومن غياب أي منهاجية. وهو يستقي « انسجام مواقفه » من الخطاب السياسي وليس من رهانات الساحة الواقعية. فالعدالة والتنمية تعوزه السيطرة على هذه الأخيرة. إن الحكامة لا تقتصر على مكافحة الفساد، بل هي تفتح حقلا واسعا يتمثل محوره الأساس في التحكم في مسار وشفافية عملية صنع القرار. إذن كيف يمكن النهوض بهذه المهمة دون السقوط في المحظور؟ فالمجتمع المغربي، وكذلك دوائر صناعة القرار يتميزون بتعقد تشكيلاتهم، كما أنهم يقومون على مناطق(logiques) مختلفة ومتشابكة يصعب تفكيكها. كما أن قنوات صنع القرار وآليات الوساطة فيه لا تتمتع، على مستويات متعددة، بالمرونة اللازمة للاستجابة لإشارات ومتطلبات الوضوح والفعالية التي يمكن أن تفترضها الحكامة. كذلك، لا يقتصر تطبيق الحكامة الحقيقية، التي لم يتم بعد بسط تفاصيلها، على إقرار الإجراءات المناسبة، بل هي في النهاية صراع طويل مع أصحاب المصالح المتجذرين في التربة. فهل يملك حزب العدالة والتنمية الوسائل الكفيلة بالنهوض بهذه المهمة؟ في ظل غياب توجه نحو إصلاحات جذرية،  لا يبقى أمامه سوى القيام بعمليات مثيرة تتمثل في إشهار الغنائم الصغيرة لإحداث الإثارة، وتهييج قنوات الاتصال والجماهير. وحتى في هذا المجال، لن يضمن الدعم اللا مشروط للأحزاب « التقدمية » التي يبدو أنها تصعد من لهجتها للدفاع عن « المفسدين » المنتمين إليها حتى وإن كانوا مدانين. أما الطرائد الكبيرة، وصيدها يظل أساسيا إن كنا فعلا نرغب في السير قدما، فستتطلب شباكا قوية مازلنا ننتظر خياطتها. إن التصدي للمجرمين المعزولين وتجاهل الشبكات الإجرامية، لن يكون له سوى أثر انتخابي، ولن يكون له أي أثر دائم على التغيير الاجتماعي.  

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة