العفو الملكي:وسيلة للسلطة المطلقة وأداة للتحكيم العصري

العفو الملكي:وسيلة للسلطة المطلقة وأداة للتحكيم العصري

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 28 فبراير 2012 م على الساعة 11:35

بحلول كل مناسبة، يأتي العفو الملكي ليخلص عددا من السجناء المدانين من العذابات المؤلمة للزنازين. وصار هذا العفو اليوم متجذرا لدرجة لم يعد عامة الناس يدركون أبعاده. فالبلاغات الرسمية التي تعلن هذا العفو تصدر وتتابع وتمر علينا كما تمر الرسالة من فتحة صندوق البريد. وبالكاد ننتبه إلى الأمر لما يشمل العفو الملكي شخصية من الحقل السياسي أو الإعلامي أو شخصية من عالم المال والأعمال. بيد أن هذا العفو الملكي يستحق أن يتوقف المرء عنده والتأمل فيه بعمق. فهو ممارسة تعود إلى زمن بعيد جدا، وهي مرتبطة بشكل حميمي بالسلطة وطبيعتها وتحولاتها. لقد كان العفو في زمن السلطة المطلقة شكلا من أشكال ممارسة «القضاء». ففي ذلك الزمن الذي كان فيه القائد هو صاحب السلطة الوحيد، ولم يكن هناك أي شكل من أشكال فصل المهام في هرم هذه السلطة، كان العفو هو الملجأ الوحيد تقريبا للمدانين. في ذلك الزمن كانت السلطة المطلقة ترتقي إلى حد الحق الإلهي. وكان المرء يجد نفسه في السجن، عن حق أو عن باطل، بدون أن يخضع لأي محاكمة أو يصدر في حقه حكم من طرف جهاز قضائي تم تعيينه للنظر في قضيته، وبالتالي كان هذا السجين يواجه دائما خطر البقاء في السجن إلى الأبد. وكانت الوسيلة الوحيدة للإفلات من هذا المصير هي طلب تدخل لدى الملك.. تدخل يتولاه شخص نافذ في الدائرة الصغيرة للسلطة أو يتمتع بوضع ديني أو أخلاقي خاص جدا. هذه الممارسة كانت تسمى «الشفاعة»، وهذا المفهوم يتغير حسب الظروف والشخصيات. إن العفو كان يجسد الحكم المطلق الذي لم يكن يأبه لا بالأحكام ولا بالقضاة، حتى لما يكون لهؤلاء وجود رسمي. والمعنى العميق لهذا العفو هو: الزعيم هو القانون، وله على كل رعاياه سلطة منحهم الحياة أو نزعها منهم. والعفو يعني أن هذا الزعيم يتكرم بالحياة على شخص مدان كان سيقضي بدونه كل أيامه في غياهب السجن(…) هكذا كانت إحدى ميزات السلطة الملكية في الماضي هي العفو.. الرحمة، وهي جانب من جوانب الحكم السماوي والمطلق. فالله «رحمان ورحيم» كما جاء في فاتحة القرآن. لقد تغيرت الأمور، وفي أيامنا هذه،  قطع تقاسم السلط في الديمقراطيات المتقدمة مع هذه الممارسات. ولم يعد العفو قائما سوى كأثر وكامتياز، مهما كان رمزيا، يمنح لرئيس الجمهورية ويخول له منحه(أي العفو) لما يعتقد أن عليه منحه. أما في المجتمعات التي مازالت في مرحلة التطور نحو الديمقراطية، فالأمر مختلف. وفي بلد مثل المغرب، مازال العفو المكي يلعب دورا مهما ولكنه معقد. إنه مؤشر على مدى حداثة ممارسة السلطة ومؤشر على مدى فعالية جهاز الدولة. ومن خلال درجة تواتره وعدد السجناء الذين يشملهم، يعطي العفو الملكي صورة واضحة عن المكانة التي يحتلها الملك في الحقل السياسي. إلا أن الوتيرة التي يحدث بها العفو الملكي تفرض إبداء بعض الملاحظات. فمن جهة، وعلى الرغم من الوسائط الإدارية العصرية التي يعتمدها، فإن العفو يساهم في إعادة إحياء أشكال التوسط التقليدية التي تخضع لها المنظمات السياسية والمجتمع المدني عبر الجمعيات، وذلك بعد أن تستنفذ مساطر الاستئناف الكلاسيكية. إذا نظرنا إلى الأمر من هذه الزاوية فإن السلطة الملكية تزداد قوة، ولكن هذا الأمر يتضمن خطرا يتمثل في الإبقاء على قوى محافظة لا ترغب في السماح بتقاسم السلطة. من جهة ثانية،  يمكن للعفو الملكي أن يكون أداة فعالة لتحديث الحقل السياسي. ففي مجتمع تشكو فيه العدالة من الفساد وتميل إلى القوى المهيمنة على الصعيد السياسي والاقتصادي، يمكن أن نعتبر العفو الملكي أداة للتحكيم تخول إعادة ميزان العدالة إلى حالته الطبيعية بالنسبة إلى الفاعلين السياسيين المجددين الذين يجدون صعوبة في التعامل مع القضاء.  وسيواصل العفو الملكي لعب هذا الدور حتى يتم الحسم في قضية فصل السلط على أرض الواقع، وريثما تكون المؤسسات القضائية قادرة على تصحيح مساراتها عبر وسائل الإنصاف القانونية الخاصة بها. إن العفو الذي كان وسيلة لتأكيد السلطة داخل بنية تقليدية، يمكنه أن يصبح أداة للحكامة  يمكن أن تمنح وجودا حقيقيا للتحكيم الملكي، وتسمح له بالانفتاح على الحداثة. عن «شالنج» وباتفاق معها

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة