"عشاء الحداد" وتمظهرات الحداثة

« عشاء الحداد » وتمظهرات الحداثة

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الجمعة 17 فبراير 2012 م على الساعة 13:28

  أناقة الموائد لوحدها تعكس المستوى الاجتماعي للمضيفين. الخدم لا يكفون عن الحركة هنا وهناك في نظام وانتظام، وكبيرهم يبدي بنظراته الصارمة حرصا كبيرا على السير الجيد للحفل، ويخف تلبية لرغبات الضيوف. يتم تقديم الحلويات بكل أشكالها، المالحة والحلوة، ولكن بالكاد يلمسها هؤلاء الضيوف. ويقوم التقنيون بآخر اللمسات على الميكروفونات، ثم تباشر الفرقة أولى أمداحها، ثم ينطلق الصويري، أحد المغنين الذي يحظى بإقبال كبير حاليا في المغرب، في ترديد إحدى الأمداح. إذاك يتنفس صاحب الدعوة الصعداء.. فقد كان الحفل مهيبا بالشكل الذي يبتغيه. بعد ذلك، يتم تقديم الطعام. في المقدمة هناك كتف الخروف المصحوب بالإجاص الصغير والتين والبرقوق… وكلها أشياء مشهية تعرف تلك الأيادي، المتعودة على الموائد الرفيعة، كيف تتعامل معها. إثر ذلك يتم تقديم الدجاج البلدي بالزيتون، ثم تليه « التحلية »(dessert) التي يمكنها أن تنزع الإعجاب من أكثر المتخصصين في المطعمة صرامة. كل هذا و »الشالات » الرفيعة من طراز « سان لوران » و »ديور » تنساب بلامبالاة على الأكتاف. أما حقائب الأيادي فكلها من طراز « vuitto » أو « hermes » الخالصة. وبين الفينة والأخرى تظهر ساعة « رولكس » لهنيهة صغيرة لتنبئ الحاضرين عن الزمن الذي يمر هادئا. كل شيء هنا يحمل خاتم أسياد الذوق الرفيع. فالرفعة هي قانون هذا المكان. فالنساء يضعن مكياجا أنيقا. وعلى كل، يجب على المرء أن يكون في غاية الانتباه، فهناك كاميرا تراقب الجمع وتسجل ملابسهم وملامحهم. ورغم أن كل هذا يوحي بعرض أزياء رفيع، إلا أن الأمر لا يتعلق هنا بزفاف بل بـ »عشاء عزاء ». نعم، بهذه الطريقة تعبر البرجوازية الحضرية المغربية عن حدادها في عشاء العزاء والوداع الذي يستدعى له الأقارب والأصدقاء. وحتى البرجوازية الصغيرة تسير على خطاها، ولكن من دون مباركة شانيل. إنه مؤشر قوي على الأزمنة التي تتغير دون أن تحدث كثيرا من الصخب في بلد إسلامي، وهذا التغيير يحدث بعيدا عن المساجد، والمكان المفضل للملتحين والمحجبات، حيث الخطاب الديني يقبل وهم الاستمرارية بناء على طقس الصلاة الذي لا يتغير. والتاريخ يجد متعته في هذه الاستمرارية، حيث يلتقي المؤمنون كأنهم يوقفون الزمن، هاربا لبعض الوقت من العلاقات الاجتماعية في الأماكن العامة حيث ينتبهون بمرارة، ولكن دون الاعتراف بذلك، إلى « القطيعة الثقافية التي تخترق المجتمع والتي يعتبرون جزءا منها. إن المسجد يتحول في زمن التحولات هذا إلى مكان للتطهير(catharsis) يقصده المؤمنون بحثا عن السعادة التي لم يعدوا يحسون بها في حياتهم اليومية. إن المسرح الحقيقي للتغيير يوجد في مكان آخر. يجب البحث عنه في التمظهرات الاجتماعية الأساسية التي تعتبر الأسرة أحد فضاءاتها المميزة. بصفة عامة، تحدث « القطيعة » الأكثر عمقا في النسيج الاجتماعي وفي العقليات، بعيدا عن الأضواء في البداية وكأنها لا تريد أن تثير الانتباه. فالتجديد يتقدم بخطى صغيرة، وفي صمت،  حتى لا تثير انتباه حراس الهيكل. إنها ستعمل على نخر المقاومة الاجتماعية بهدوء وستقهرها مع مرور الوقت. والعلاقة مع الموت، من الزاوية التي تهمنا، مؤشر قوي على هذه التغييرات. وهي نتاج تطورات متعددة ومتقاطعة، تبدأ من التحولات الديمغرافية وتصل إلى هياكل التنشئة الاجتماعية مرورا بالاقتصاد والثقافة. تقليديا، كان موت أحد ما في الأسرة يعتبر فرصة لإظهار قوة التلاحم بالعائلة في مواجهة العناصر الخارجية. فهشاشة الناس أمام المرض والجوع جعل هذا التلاحم ضروريا بل حيويا، إذ بفضله كانت الجماعة تؤكد استمرارها كجسد متضامن. إن الجسم الجماعي كان يقدم على الفرد يعتبر في عداد الميت إن تم التعامل معه كفرد فقط. ورغم اندثار القبيلة في المدن فإن الممارسة التضامنية ظلت قائمة لزمن طويل. هكذا لا يتم إيقاد النار في بيت الميت، وكان الجيران هم الذين يتولون إعداد الطعام لأفراد أسرته، على الأقل في اليوم الأول. أما « عشاء الحداد » فيتم إعداده في اليوم الثالث بعد الوفاة، والمشاركون الأساس فيه هم الفقهاء حفظة القرآن، أما الوجبة فتكون عبارة عن كسكس يطلق عليه بالعامية المغربية « الطعام »، وهذا يؤكد بشكل جلي أننا في مجتمع يعيش بالكاد على الكفاف. ويكون للتضرع بالعلي القدير يكتسي هنا كل معانيه. فالتضرع هنا يعكس في الوقت ذاته تقرب الجماعة من الله وطلب عفوه ورحمته. والجماعة المتلاحمة تسعى، عبر تقديم الطعام إلى حفظة القرآن كقربان، إلى كسب رحمة الله القادرة لوحدها على حماية أفرادها. بالتالي فهذا « العشاء » كان فعلا دينيا خالصا يراد به البرهنة على الإخلاص لله. ولم يكن ممكنا أن يكون الأمر خلاف ذلك في مجتمع يعيش بالكاد على الكفاف، وحيث الموت، المنتشر بشكل واسع، كان يهدد قوة الجماعة بل ووجودها. والنساء الباكيات يوم حدوث الوفاة يعكسن بعويلهن المؤلم والحزين هذا الخوف الهائل من الموت الذي يقض مضجع الجماعة(…) كل هذا لا علاقة له بذلك العشاء المشار إليه أعلاه. فقد تغيرت البنيات الاجتماعية كثيرا. فالجماعة لم تعد قائمة، والقبيلة صارت، وكل ما يتعلق بها، من الماضي. نحن في حضرة طبقة اجتماعية تحتفي، كيفما كانت المناسبة، بالرفاه الذي تنعم فيه. لقد انفصلت العائلة عن الجماعة، وهي التي تعرض في الوقت الحاضر رفاهيتها وتؤكد على استقلاليتها. فهي لم تعد مضطرة للجوء إلى ذلك « التعاون » لكي تضمن البقاء. والوفرة التي كانت على الموائد المشار إليها أعلاه، الهدف منها البرهنة لكل الآخرين على هذه القدرة. والضيوف جاؤوا ليشاركوها وضعها وثراءها، وقوتها، وطريقة عيشها. إن تطور قوات الإنتاج وتقسيم العمل ساهما في تفكيك القبيلة وتشتت الجماعة، والمباعدة بين أفرادها. ولم تعد رابطة قرابة خيالية هي التي تربط بين أعضاء هذه الجماعة بل تجمع بينهم مصالح مشتركة وإيديولوجيا جديدة.  بيد أن التغيير لم يقتصر على هذا، بل ذهب إلى ما هو أبعد وبلغ عمق المجتمع ونفذ إلى العقليات.  ويتجلى هذا التغيير في ظهور الفرد الذي لم يعد درع الجماعة  والعائلة حيوية بالنسبة إليه كما كان عليه الأمر في الماضي. وهذا الفرد، الذي صار حاليا فاعلا اجتماعيا، يؤكد جزئيا على حضوره وفردانيته من خلال اللباس والإكسسوارات التي تتواءم معه.  فالاهتمام بالهندام الأنيق والماكياج ينمان عن فرد لم تعد له أي علاقة مع سلفه، الذي كان يبدو شاحبا وتعلو وجهه علامات الحزن. لقد ترك إنسان الماضي، الملفوف في جماعته، والذي يثير الشفقة والخائف دوما من الموت، مكانه لآخر لا يتردد في إبراز نوع من الإحساس بالكبرياء، فلم يعد يسمح لنفسه بإظهار ألم صارخ. والطريقة المنظمة التي كان عليها « عشاء العزاء » المشار إليه تعكس هذا السلوك الجديد. فالموت لم تعد له كل تلك السطوة التي كانت يتمتع بها في الماضي، والمقبرة صارت بعيدة عن منازل السكان. كما أن الأمل في الحياة الذي مافتئ يطول يبعد أكثر فأكثر احتمال الموت السريع. وفي ظل عدم إمكان المساس بالجثمان وتجميله لإخفاء لون الموت كما يحدث في الغرب، يبقى الكفن أبيض ناصعا كما في الماضي. فقد تم التركيز بدل ذلك على طرد آثار الموت من عالم الأحياء، إذ يتم إخفاء الألم. هكذا يتم الابتعاد عن عالم الأموات الذي كان يهيمن على الحياة اليومية لسكان القرية. وأخذت الحداثة بهذه الطريقة تتسلل إلى الحياة اليومية من خلال إعادة النظر هذه في العلاقة مع الموت. وهذا لعمري تطور مهم إن تم النظر إليه من هذه الزاوية(…). إن هذه السلوكات الجديدة التي يمكن رصدها عند الطبقة البرجوازية تزعزع القواعد الذهنية للإيمان وتكشف، نوعا ما، الثقوب التي يتسلل منها « اللاإيمان » (l’incroyance) إلى النسيج الاجتماعي. وهكذا بالحداثة هنا تراوغ، وتتفادى الفضاءات العمومية المخصصة لتمظهرات الإيمان، ولكنها تنخر (ronge) يقينيات الناس في معيشهم، في هذه الحميمية مع الموت التي كانت، إلى حد الساعة، خاصة بما هو سماوي(…)      

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة