"البارمان" و"الديدجي".. والرهانات الخفية للبيجيدي | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

« البارمان » و »الديدجي ».. والرهانات الخفية للبيجيدي

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 20 مارس 2012 م على الساعة 22:43

محمد الناجي

  إنهم يطلقون النار على باخوس ! فقد صدرت  الأوامر وحراس الهيكل يكشرون عن أنيابهم.. أصابع الاتهام تشير إلى الكحوليات والمهرجانات. فهل يسعى حزب العدالة والتنمية إلى وضع يده على ثقافة تحتضر ويجعلها تتناغم مع ثقافته؟ بعبارة أخرى، هل يسعى إلى تصفيتها؟ هناك مؤشرات على هذا التوجه. صحيح أن الواجهة يحتلها وزراء وأطر عليا لديهم تعليمات بالظهور بمظهر المتحضرين، بيد أنه في الصفوف الخلفية نسمع خطابا شديد اللهجة ويرغب في القضاء على المحلات التي تبيع الكحول بشكل قانوني وعلى « الديدجيات » (DJs) الذين ينشرون « لغة الشيطان » ! وبغض النظر عن كل هذه الإثارة والصخب، ماذا يعني كل هذا التهافت وما هي مراميه؟ وإذا كان حزب العدالة والتنمية يساهم، بناء على حسابات انتخابوية، في تكريس سبات التعليم من خلال منح حقيبة التربية الوطنية لحزب الاستقلال، هاهو يحاول خفض المنتوج الثقافي لهذا التعليم إلى الدرجة الصفر  من خلال خنق التظاهرات الثقافية(…). ويجب أن نقول بصراحة إنه يقوم بذلك بجبن بات معهودا. وهذا الجبن في الواقع هو مؤشر على  شيء أكثر من المكر، ونقف على هذا الأمر حين ننتبه إلى أنه يندرج في إطار استراتيجية متفق عليها. ففي غالب الأحيان يقوم البيجيدي بنسبة هذه الهجمات إلى منظمات المجتمع المدني ليست في حقيقة الأمر سوى توابع للحزب. ولكن لا يمتنع عن منح صدى واسع لتلك الانتقادات وبأصوات شخصيات رسمية في الحزب حتى لا يكون هناك أي لبس في كونه هو مايسترو الفرقة. إن الثقافة لا تهم هذا الحزب في شيء، وهو يتحرك في صحراء ثقافية  والتلميذ بالنسبة إليه ليس سوى صوتا لسيده. لهذا فأي فضاء ثقافي حر ومبدع لا يتناسب بتاتا مع غريزة إعادة الإنتاج لديه والتي تتسم ببساطتها وبحسها الافتراسي.  فهذا الفضاء يفترض بالضرورة التفكير الحر والأفكار المناقضة، وهذا أمر لا يحتمل بالنسبة إلى الفكر الواحد الذي يقوم عليه منهج الحزب. فالثقافة والإبداع كانا دائما يزعجان الأديان ويثيران غضبها، وهذا الأمر يشتد أكثر لما تكون هذه الأديان في مرحلة الانطلاق أو تعيش فترة أزمة. وكلنا على علم هنا بسيف داموكليس الذي كان فوق رقبة الشعر في بدايات الإسلام، والشاعر الذي كان في الواجهة وكانت له مكانته في المساجد، أي حسان بن ثابت، كان شاعرا سيئا وواحدا من أفراد الحاشية المعروفين بجبنهم. ولكن توسع الإمبراطورية الإسلامية، وحاجة البلاطات الأميرية والبيوت الكبيرة للتجار، وحيوية الثقافات المجاورة، فتحت الطريق أمام ازدهار ثقافي أنتج حضارة مازالت وهجها مشعا إلى يومنا هذا. بيد أن ثقافة قوية لم تكن لترى النور لولا الانفتاح على الآخر والأخذ منه من خلال توسيع فضاءات الحرية، حيث ينتعش الإبداع العلمي والفلسفي والأدبي. ولكن، وبغض النظر عن موقفه المبدئي من الثقافة، يبدو أن أهداف البيجيدي « مكيافيلية » تروم ما هو أبعد من هذه الثقافة. فمن خلال إعادة تنشيط حملاته ضد الحداثة، وبالخصوص عبر مهاجمة بيع الكحول  والنشاط الموسيقي رغم أن هذين الموضوعين ليسا رأس حربتها، يبدو أن الحزب يروم الحصول على شباب جديد، ويتموقف كحزب إسلامي فاتح بإمكانه تعبئة مناضليه. وخشية أن يغرق في تدبير الشؤون العامة ويعاني من استنزاف سريع لقدراته بسبب الفراغ الذي تعاني منه برامجه الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي يفقد جمهوره، يقوم بإحياء حقل « الاحتجاج » داخل المجتمع رغم أنه في الحكم. وهو بهذا يتحول إلى فاعل سياسي ذي رأسين، فهو يريد بشكل متناقض أن يسمع صوته في الآن ذاته بالحكومة والمعارضة. وهو سيقوم بذلك من خلال تأجيج غضب الطبقات المحرومة ضد الفساد والرذائل والتبذير، مسترجعا بالتالي الخطاب الأخلاقي الذي كان سببا في نجاحه. في الوقت ذاته، وبالموازاة مع تدعيم مكانته على الساحة، لا يترك مجالا للإسلاميين الأكثر راديكالية، وأقل رغبة في التوافق مع الجماعات المهيمنة داخل الدولة. ومن هذا المنظور، يصير البيجيدي حليفا استراتيجيا للسلطة القائمة. فمن خلال مشاركته في تدبير الشأن العام يساهم في تأكيد التقدم الديمقراطي الذي حققه النظام السياسي، ويعمل على تلميع صورة المغرب في الخارج. كما أبان من جهة عن انصياعه من خلال ممارسة وظائفه كحزب فائز في الانتخابات، و ظهر كشريك متزن يحترم بشكل كامل المؤسسات، ويتعامل بحذر كبير  مع الملفات الشائكة. فقد كان حزب العدالة والتنمية الجواب الأقل تكلفة والأكثر فعالية، لحد الآن على الأقل، لتفادي أي تجاوزات تحدث في الشارع. ومن أجل تقوية مكاسبه الانتخابية، يعمل على توجيه الحركات الإسلامية من خلال عدم السماح بتجاوزه من طرف شبيبته ومن طرف السلفيين. إذن في هذا السياق المعقد يتعين وضع هذا الهيجان ضد بيع الكحول  والمهرجانات، وهو ليس سوى ضربة سيف وفي الماء لأن هدفه يتجاوز ما يفصح عنه. فهدف هذه الإثارة يكمن هناك في الرهانات السياسية التي تحتل فضاءات أخرى غير فضاء « البارمان » و »الديدجي ».   محمد الناجي عن شالنج وباتفاق معها  

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة