احتفاء بشيخ اليساريين

احتفاء بشيخ اليساريين

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 28 فبراير 2012 م على الساعة 12:32

  خطاب الوحدة، بشكل عام، خطاب ديني حالم أو أيديلوجي شمولي، أصاب الصدئ مفاصله في وطننا العربي والمغاربي منذ مدة طويلة، نادت به حركات دينية وأحزاب قومية في المشرق والمغرب، يمينية تارة في مناسبات معدودة، ويسارية تارة أخرى في كل المناسبات، فلم يحقق منه، لا هؤلاء ولا أولئك، لا القليل أو الكثير، أنفق فيه العديد من المنظرين العروبيين، والسياسيين المتسلطين على شعوبهم، والمتكلمين باسم الدين، واليساريين الجذريين منهم والمعتدلين، وحتى بعض الأمازيغيين، أطنانا من الزيوت لتليين مفاصله، لعلّ دواليبه تسعفهم وتدور، فارتخت مفاصل ألسنتهم دون أن تفك مفاصله قيد أنملة، فالوحدة هدف يصعب تحقيقه بإجماع المتخصصين، لكن الاتحاد مطلب في المتناول بإرادة شباب الربيع المغربي أولا ثم العربي ثانيا. الوحدة كما يقول درس التاريخ مطلب عزيز لا يحققه فعلا سوى المرسلون أصحاب المشاريع السماوية، وما تلبث بدورها أن تزول بزوالهم، تلك سنة الحياة، وقد يحققها، قولا لا فعلا، الحكام الديكتاتوريون، فيعتقدون أنهم يتوحدون وهم في الواقع يتنافرون ويتجهون نحو الاقتتال حلما بالوحدة، وما ماضي المنطقة عنا ببعيد، يوم توهم جمال عبد الناصر ومعه المصريون والسوريون أنهم مطلقون مسلسل التوحيد في الوطن العربي، فكان أن استعدى بعضهم البعض إلى ما شاء الله من السنين، ومن بعده كانت هلوسات مجنون ليبيا، الراحل على كل حال، يوم كان يقيم الوحدات صبحا وينهيها بعد الزوال، وحالة الوحدة السودانية المنجزة قصرا، ونظيرتها اليمينية، تشهد على المآل، هذا ماضينا كما يقول المؤرخون، أما الاتحاد فهدف سياسي معقول، يحققه الديمقراطيون الحقيقيون ببعض التنازلات هناك وهناك، الاتحاد كما يعلمنا الجار الشمالي تغليبا للمصلحة العامة على المصالح الضيقة، التي تتحول بسرعة كبيرة إلى معيقات حقيقية، المصلحة العامة التي لا تكون إلا بالتقاء المصالح الخاصة للأقطار المغاربية مع المصحة العامة في الاتحاد، ولعل أكبر مصلحة عامة تغري بالاتحاد اليوم هي البحث عن البقاء في عالم يتكتل فيه الأقوياء ليزدادوا قوة. مناسبة هذا الكلام ما طالبت به حناجر عديدة، يملؤها الأمل الكبير، أمل أحيا فيها حلما جميل، حلم الوحدة المغاربية، شخصيات من المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا، بل ومن بلاد المشرق أيضا لبت نداء الرجل الكبير في كل هذه الأقطار، فحضرت العرس الثاني لشيخ اليساريين في المغرب « محمد بنسعيد أيت إيدر » في الدار البيضاء، نظمت على هامش التكريم مناظرة مغاربية، اختارت شعارا معبرا أيضا « الفضاء المغاربي في ضوء الربيع العربي » وهو النشاط الذي أقامه المركز الذي يحمل اسم المحتفى به « مركز محمد بنسعيد أيت يدر للأبحاث والدراسات » ذلك المناضل اليساري الشاب في شيخوخته، الذي تعاقبت عليه أيام ودول وما بدل تبديلا. توالي الأيام عليه لا يزيده إلا قوة وشبابا وإصرارا، وما حدث يوم 13 مارس الماضي خير دليل على ما نقول، حين وقف سدا منيعا بما بقي له من قوة في وجه رجال الأمن، ففاوض بشراسة إلى أن تم إطلاق سراح الشباب أجمعين، قوة اللحظة أرجعته سنوات إلى الوراء، أعادت له ذكريات المقاومة والمطاردة والكفاح المسلح ضمن جيش التحرير، أفلح الفنان الساخر أحمد السنوني في تصويرها، خلال حفل التكريم، أفضل تصوير في قالب كوميدي يسخر من الجميع بمن فيهم المحتفى به، حارب الرجل عدو ثم عدوين..، فاقت قدرات الواحد منهم قدرات جيش التحرير أضعافا مضاعفة، وحدها العزيمة والإيمان بعدالة القضية ما يجعله مؤمنا بالنصر حد اليقين، بعد الحرب المباشرة عاد إلى المعارك السياسية بلا سلاح، فأثار وهو نائب برلماني قضية معتقلي تزمامارت الرهيب، سؤال قض نوم النائمين وأحيا الأمل في نفوس اليائسين، جاء المرزوقي، واحد من هؤلاء المظلومين،  يقول لصاحب أشهر سؤال شفوي في تاريخ المغرب شكرا على السؤال، شكرا على بعث الأموات من بين رماد النسيان الموشك على الانطفاء.      احتفاءً بالرجل المغاربي بامتياز، تناوب على المنصة أكاديميون وسياسيون مغاربة ومغاربيون، شرح الأكاديميون المنتمون إلى حقل التاريخ ماضي المنطقة القريب، قلبوا أوجاع  وجراح الراحلين، وذكّروا بالدماء والدموع المشتركة المبذولة ضد المحتل الفرنسي والإسباني، ومن بعده ضد حكام دول ما بعد  الاستقلال، اعتقالات واختطافات وكتمان على أنفاس الشعوب، تباهى الكل بأبطال كفاحه الوطني من أجل الاستقلال، هنا استُحضر « محمد بن عبد الكريم الخطابي، ومحمد الخامس، ومحمد بلحسن الوزاني، وعلال الفاسي، والمهدي بنركة، وعبد الله إبراهيم، ومحمد البصري (…) والقائمة تطول، ومن هناك استحضر عبد الحميد مهري، ومصالي الحاج، وقاصدي مرباح، القائمة تقارب المليون والنصف من الشهداء، والعهدة في القول على عاتق أصحاب الثورة الحاكمين بأمرهم ولو إلى حين، ومن هنالك استحضر عبد العزيز الثعالبي، ويوسف الهمامي، وعامر العيساوي،  ويوسف الرويسي، والحسين التريكي، وأحمد نجيب برادة، ومحمد الخضر حسين … والقائمة تطول أيضا، ومن ليبيا استحضر عمر المختار الذي كان في شعبه أمة لوحده، ومن بلاد المشرق استحضرت الأيادي البيضاء للأمير شكيب أرسلان. بعد المؤرخين جاء الدور على السياسيين القدامى منهم والشباب، حماس هؤلاء الأخيرين كاد  يدفعهم إلى التنكر لتضحيات الشيوخ الحاضرين والمجاهدين الشهداء، فمنهم من خاطب الوجدان والمشاعر المغاربية المشتركة، ومنهم من ذكر بأوجاع الماضي بصيغة عاطفية فيها الكثير من التأسي على الفرص الكثيرة الضائعة من طرف القادة، الراحلون والمبعدون والفارون والمنفيون والمترددون، والقليل من المتدخلين من تحدث لغة تبتعد عن التمني وتستحضر واقع الحال وأفاق المآل، وتقف على العراقيل التي تحد من حلم الوحدة أو الاتحاد، القليلون من تحدثوا لغة المصالح الاقتصادية والأرقام، المتأتية أو الضائعة، من الاتحاد.   

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة