أمينــة، سم الحياة، سم القانون وسم الموت | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

أمينــة، سم الحياة، سم القانون وسم الموت

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الإثنين 19 مارس 2012 م على الساعة 23:00

اغتصبت أمينة الفيلالي مرات ثلاث، أولاها لما هٍيتَ بها من فحل من أكَلَة لحم البشر ذاق طعم الأنثى وبصم عليه من ذكوريته، وثانيها لما قُـدمَت أمينة هدية لفراشه ليقتحمها كالبطل المنتصر وبيده وثيقة المٍلْـكية الدائمة لها من توقيع سيادة القاضي المكلف بالقاصرات تحت اسم <> لتصبح <> ولتنتقل أمينة بعقد نكاح من طفلة ضحية بريئة إلى مرتبة <>، وثالثها لما تجرعت أمينة موتها قطرات على يد مُسْتَهلكها، ودخلت طائش سفيه فوق نعش القانون وتغطية المادة 472 من قانوننا الجنائي، لتنتهي ملحمة الليث وابتسامته الماكرة امام جثة أمينة المفخخة بسم الحياة التي تجرعت مراراته تحت سقف زواج كتبت فقراته بدموع أمينة وكئابة أم أمينة وحزن أب أمينة.   وداعا أمينة، لقد قرأوا عليكِ الفاتحة يوم عقدوا عليك، وقرأوا الفاتحة لما وضعوك بالقبر، وباركوا للزوج لما حملوك لفراشه، وباركوا للزوج لما غسلوا جرمه وإِثـمَه بصك وبإشهاد عدلين، وباركوا للزوج لما برأوه قبل المحاكمة، وبرأوه دون محاكمة، ولما قرروا دفن المتابعة القضائية، ولما قرروا مسح العار الأصغر بالعار الأكبر، ولما قرروا ألا تموت أمينة موتتها الطبيعية في الأجل المكتوب بعز وشرف ليستعجلوها بالموت بالسم.   أينكم يا من أفتيتم بزواج القاصرات، أينكم يا من أفتيتم بحق مواقعة الرجل لزوجته الميتة، أينكم يا من تروا في حقوق المرأة والطفلة والأطفال عقوقا للشريعة وشرودا عن نظام الطبيعة والحياة، ما لكم يا علماء المجالس العلمية صامتون، تكلمتم في السياسة والدستور والإنتخابات ووو…. ولم نسمع منكم كلمة في حق امينة لاقبل ولا بعد وفاتها، وتركتم أمينة يرثيها بنات العالم وصحافة العالم وأحرار العالم، لتستقبلها ملائكة السماوات بشعائرهم وبصلواتهم، إلا أنتم فلم نقرأ لكم كلمة.      ماتت أمينة، ليخرج أطفالنا وأبناؤنا ومعهم الأمهات والأخوات والآباء وكل حرات وأحرار المغرب بهيئاتهم المدنية وهم يبكون أمينتهم بدموع الكلمات والشعارات والإحتجاجات، ووقفوا واعتصموا بحرارة وهم يقتحمون سخافة القانون وإهمال السلطة وعنف المحاكم وشطط القضاء، وهم يقرأون بذهول شديد في قانون الأسرة وقانون الأطفال والقانون الجنائي ما يبيح التمييز بسبب الجنس وبسبب السن، وما يبيح تبييض العنف ضد النساء وضد الطفلات القاصرات، وما يشرعن لجاهلية جديدة ضدهن بلسان حداثة مصطنعة توظف الشريعة والإجتهاد والتقاليد والتأويل ليصبح سيفا ضد حقوق المواطنة والحرية والقيم الكونية، ونفاقا ايديولوجيا يبرر موت أمينة وموت المئات من الأمينات الأخريات اللائي لا يعرف أحد منا مصيرهن وأحوالهن في قبورهن.   وفاة أمينة درس لوعينا ولمشاعرنا ولأخلاقنا ولذكائنا، درس لنفاقنا وكذبنا وعبث خطابنا وإعلامنا، درس للدولة والسلطة والمؤسسات، لا بد لنا من قراءتها قراءات متعددة. وفاة أمينة درس سياسي لنا، يعلمنا أن الدستور واتفاقية حقوق الطفل وقوانين الأسرة والمرأة وحماية القاصرات، كلها وغيرها قوانين مبللة بدموع ضحايا المجتمع، لن تجففها إلا إرادة سياسية تترجمها خطة ومنهجية وطنية تقطع مع تغليف حقوقهن بثوب الدين، وتقطع مع تحجير المرأة والبنت تحت عباءة الرجل، وتنهي التمييز بسبب الجنس كثقافة للدولة تخلط فيها السياسة بالدين ليستعملها المحافظون والمتأسلمون سيفا فوق الرؤوس.   وفاة أمينة درس قانوني لنا، يفرض علينا أن نلائم تشريعنا مع المواثيق الدولية والكونية المتعلقة بحقوق الإنسان وبالخصوص حقوق المرأة وحقوق الطفل، ويفرض علينا أن نعلن عجز قانوننا العقابي على حالته، توفير الأمن الإنساني للقاصرات من بناتنا وضمان حقوقهن بشكل كامل وحقيقي، مما يدعو باستعجال إلى فتح حوار وطني ومجتمعي واسع بين الدولة والحكومة والبرلمان وبين هيئات المجتمع المدني، للبحث عن مقاربة حقوقية وقانونية أخرى قبل أن ننكب على تعديل نصوص القانون ونص المادة 475 من القانون الجنائي.    وفاة أمينة درس مؤسساتي ينادينا باستعجال كذلك، من أجل أن تنهض المؤسسات الدستورية بمهامها وتتحمل مسؤولية عجزها أو تهاونها أو تماطلها أو تواطئها، فلابد اليوم أن يقوم القضاء بأداء دوره الحمائي والأمني والمجتمعي، أي لا بد أن يقطع مع تبييض جرائم الإعتداء على الأطفال والقاصرات وعدم المرور عبر كرامتهن باسم الصلح أو وقف الفضيحة، وعدم التسامح مع الإعتداء ومع المعتدين بدعوى التزويج والزواج، لأن نقل القاصرة الضحية من مكان إلى آخر لن ينسيها بشاعة الإعتداء، وتركها بين يدي المعتدي ما هو إلا تشجيع لكل المعتدين على إختطاف ضحاياهم والتنكيل بكرامتهن، لأنهم يعلمون مسبقا بالحل السحري وراء الغش القانوني الذي يعفيهم من المتابعة القضائية، ومساءلتهم أمام جرائمهم بكلمة وقرار <>، حل تافه مريض لا يشفي جراح الضحايا وآلامهن، ولابد أن تقوم المؤسسات الوسيطة كالمجلس الوطني لحقوق الإنسان ومؤسسة الوسيط بوظيفة التتبع والمساءلة والإقتراح امام حالات القاصرين والقاصرات من ضحايا الإعتداءات، اتجاه الحكومة واتجاه المشرع واتجاه القضاء، ولابد للبرلمان، الأغلبية والمعارضة سواء، أن يتدخل بما له من صلاحيات في مجال التشريع والمراقبة على الحكومة وسياستها، ليقرر في القوانين الفاسدة والناقصة وسد الخصاص وملائمة ما يحتاج للملائمة وهو كثير، وتفعيل سياسة تقصي الحقائق لترقى فعالية اللجن البرلمانية في هذا الصدد للمستوى المشرف.   وفاة أمينة، تفرض اليوم قبل الغد أن نعرف كيف تقع هذه الجرائم، أي الإعتداءات على القاصرات وهتك عرضهن بالعنف أو بالرضى المفروض أو المصطنع، وأن نستمع  للضحايا لمعرفة شعورهن وقت الحادث وبعده والإستماع لمعاناتهن ومعانات آبائهن عند تقديم الشكاية والبحث عن الشهود والإلتجاء للأطباء وللقضاة بالنيابة العامة وللمحامين، ولنعرف كيف يتم تناول هذه الملفات قضاء الأسرة، وما هو البعد الذي يأخذه القضاة اتجاه مقترح الزواج سواء قدم من الآباء أو من المذنبون.   وفاة أمينة يفرض اليوم أن يبادر وزير العدل والحريات إلى تأسيس لجنة تفتيش أو تحقيق مشتركة بين وزارته وبين المجتمع المدني، الذي أصبح دوره معترفا به دستوريا، ومع قطاعات حكومية أخرى، للقيام بدراسة وطنية وتحقيق علمي حول حالات القاصرات بكل انحاء المغرب اللاتي تعرضن للإغتصاب، والبحث في الطرق التي استعملت في معالجة قضيتهم على مستوى أجهزة الأمن، وعلى مستوى أجهزة النيابة العامة، وعلى مستوى قضاء الأسرة، وعلى مستوى القضاء الجنحي، وعلى مستوى القضاء الجنائي، والإطلاع على كل الملفات قصد التأكد كيف تمت دراستها، وهل كانت قرارتها شفافة، وهل تمت تحت تأثير أو ضغط جهة ما أو شخصية نافدة، وكيف اتخدت فيها قرارات المتابعة أو الحفظ، والقيام ببحث بواسطة مختصين اجتماعيين بشكل واسع وشامل للتعرف على أوضاع القاصرات اللائي تزوجهن مختطفوهن، ومعرفة حياتهن ومعاشهن وعلاقتهن ببيوتهن وبعائلتهن ومحيطهن، والبحث بواسطة أطباء متخصصين عن مدى استقرارهن النفسي وادماجهن الإجتماعي، خصوصا وأن ما نشر من إحصاء يتحدث عما يزيد عن ثمانين ألف قاصرة ما بين سنتي 2007 و2010 كن ضحية اعتداء كما كانت الضحيته أمينة.   وأن مثل هذا القرار هو من سيمكن الدولة من رسم خطة حمائية واجتماعية لفائدة أطفالنا القاصرين والقاصرات، حتى نقول ربما لن تتكرر وفاة قاصرة أخرى لتكون أمينة آخر الضحايا، وليكون مفترسها آخر الذئاب، ولنقول مع الفيلسوف ديدرو: <>.    إن أمينة شهيدة كل القاصرات، إنها تقول لنا: لا تبحثوا هل الموت مؤنث أومذكر، اريدكم ان تدفنوا معي كل ضحاياكم من بناتكم، فإنني سأؤسس معهم في القبر محكمتنـا لمحاكتــــــكم. الرباط 19 مارس 2012        

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة