من أجل تلفزة وطنية

من أجل تلفزة وطنية

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 25 أبريل 2012 م على الساعة 15:56

على عكس وزير الاتصال الناطق باسم الحكومة فأنا لا أحب بوش، وهل من الممكن إبداء الإعجاب بالفاشية وبالحقد؟ بالمقابل، أحب  (جون جاك) روسو، وفولتير و(دونيس) ديدرو… هؤلاء قاموا بإرساء جوانب مهمة من الثقافة الفرنسية في عمق المجال الكوني، وجعلوا حقوق الإنسان على رأس قائمة انشغالاتهم، لدرجة أن كل الرجال الأحرار اليوم في العالم لا يترددون في إعلان الانتماء إلى أفكارهم.   إنهم جزء منا الآن، كما هو حال شكسبير، وكل المبدعين القادمين من ثقافات أخرى والذي تحرروا من شرنقة « القومية الخالصة » لرفع صوت واحد والحديث عن عظمة الإنسان لما يكون في أفضل حالاته، وعن تطلعاته لما يطالب بالمساواة والحرية والكرامة.    حب هؤلاء العباقرة لا يعني بأي حال من الأحوال الخضوع لبلدانهم التي تدير لهم، أكثر فأكثر، ظهورها. ذاك هو مضمون اللغة الفرنسية المتداولة اليوم عندنا، رغم كل ما يمكن أن يقال عن الظروف المضطربة التي وصلت في سياقها إلينا. وهي منفصلة بشكل كامل تقريبا عن فضائها الأصلي، فنحن قمنا بتبنيها، وجعلناه على طريقتها لغتنا وجزءا من ثقافتنا بصفتها قناة لنقل القيم الإنسانية. ونحن نتقاسمها مع هؤلاء الكبار وليس مع مارين لوبين وأتباعها.   من حظ المغرب أنه، جغرافيا وتاريخيا، ملتقى الثقافات القادمة من الشمال ومن الجنوب، وهذا ما يضفي على مجتمعه صبغة فريدة، وميزاته الخاصة ومن بينها انفتاحه المدهش وتسامحه وحداثته المبكرة على عدة أصعدة.   لقد كال جون لوك ميلونشون »مرشح جبهة اليسار للرئاسيات الفرنسية »، على قناة فرانس2، كثيرا من المديح المؤثر لمدينة طنجة التي ولد فيها، والتي فتح فيها عينيه على عالم مازال حيا في ذاكرته..عالم يتمنى أن يعثر عليه في وطنه. لقد كانت كلماته أقوى من كل الوصلات الإشهارية التي يعدها المكتب الوطني المغربي للسياحة حول بلادنا. إذ تغنى بتنوعها وثرائها.. تغنى بتلك الحميمية الفريدة التي وصلت إلينا من بعيد، وهي رأسمال نفيس جدا يسعى بعض السياسيين غير الواعين بل والجهلة إلى تبذيره.   إن ذلك الثراء إرث تركه لنا تاريخ المغرب العريق، سواء في عهد الإسلام أو قبله.. المغرب الذي تعاقبت على أرضه عدد من الحضارات والثقافات.. المغرب ابن المتوسط وصاحب أحد أفضل المواقع على الطريق المؤدية إلى أمريكا، لأنه جاء محاذيا لذلك الممر الذي تسلكه رياح « الأليزي » الشهيرة. وقد استقبلت هذه الهوية المتعددة في حضنها الكثير من الثقافات، وانتهى بها الأمر إلى خلق شخصية ثقافية خاصة. فالمغرب يتوفر على « قيمة إضافية » ثقافية بفضل موقعه بين عدة ثقافات. وهذه لعمري ميزة مهمة جدا لسنا واعين كل الوعي بفوائدها الكثيرة. أنا مسلم حتى النخاع، من الناحية الثقافية، لكن الإسلام لوحده لا يحتوي كل مكونات شخصيتي ولا الطريقة التي تتداخل وتتقاطع فيها.   إن الإجابات عن أسباب ازدهار ثقافتنا لا توجد في الجزيرة العربية، ولا يجب البحث عنها هناك كما يفعل العديد من الفقهاء الذي لم يستيقظوا بعد من سباتهم الطويل. ولإعطاء تلك الإجابات يتعين علينا الاستماع بالتأني اللازم لمجتمعنا، ولآماله وتطلعاته. ولعل التلفزة العمومية يمكن أن تلعب دورا مهما في هذا الإطار. إذ يمكنها أن تكون قاعدة متقدمة تمثل ثقافتنا.. يمكنها أن تكون فضاء رائعا للتعبير عن التعدد المثري لشخصيتنا. بيد أنه يتعين علينا، بلا شك، إعادة تشكيلها وبنائها حتى تصير قادرة على أداء هذا الدور.   وفي انتظار تحقيق هذا الأمر، لا يحق لأي تنظيم، وأي تيار إيديولوجي، أن يحول التلفزة إلى ملكية خاصة يعرض فيها أوهامه. فالتعدد اللغوي في التلفزة يعتبر ثراء.. جسرا يربطنا بالخارج.. دليل على ذكاء مجتمعنا. نعم، هكذا يجب تصوره والحفاظ عليه.   لا شك أن حزب العدالة والتنمية، بما أنه حزب سياسي، حر في التعبير عن آرائه الحزبية، ولكن بشرط احترام التوافق الوطني والقواعد المعمول بها. فبصفته الحزب الذي يقود الحكومة يتعين عليها النهوض بمهام أخرى انتخب مبدئيا للقيام بها، وعلى رأسها تنمية البلاد. وإذا كان قد جاء فقط لإعادة تنظيم الأذان والظهور بأنه مهتم أكثر منا بثوابنا، فلن يعمر طويلا، لأن المغاربة لهم ما يكفي من القدرة لتنظيم أوقات صلواتهم.   ولعل الطريقة التي رأى بها الأذان النور يمكن أن يكون نموذجا للسبيل التي يستحسن سلكها فيما يخص القضايا الثقافية. فقد جاءت مخالفة تماما للطريقة المذهلة التي اتبعها بوش ومنظرو صدام الحضارات.إن الأذان يندرج أصلا في إطار العلاقات التي تربط الأديان السماوية في البحر المتوسط. في البداية طرحت في الإسلام فكرة تبني الطريقة التي كان اليهود والمسيحيون يعلنون بها وصول مواقيت صلواتهم، وهناك روايات تقول إن المسلمين أعدوا جرسا لهذا الغرض، ولكن في أخير المطاف مالت الأغلبية لفكرة الأذان. ولم يكن السبب في ذلك أن عمر بن الخطاب أو أي شخص آخر قد حلم بذلك، ولكن الطريقة التي كانت متبعة هي اقتفاء أثر السابقين ثم بعد ذلك خلق التميز عنهم. ونفس الأمر جرى مع شعائر أخرى مثل الصيام.   بيد أن الأمر الأكثر أهمية في اعتماد الأذان هو أن الدعوة إلى الصلاة بالصوت يتلاءم أكثر مع مجتمع يتأثر بالشعر، وللكلمة فيه فضائل التهدئة والتعبئة على حد سواء(…) إذن فقوة التأثير التي كانت للصوت على الساكنة هي التي دفعت المؤسسين للدولة الإسلامية إلى تبني الأذان، لأنه همهم الأساس كان إقناع المعتنقين الجدد للدين، وليس استقدامهم بالقوة لأداء الصلاة. وفوق كل هذا وذاك جاء صوت بلال في الوقت المناسب ليمنح لهذا الاختيار بعدا مثيرا وملمحا إلى ما سيأتي فيما بعد.   فمنذ ظهوره، كانت للإسلام هذه اللمسة الكونية والمفعمة بالتعدد العرقي، والتي مست أسسه. وهكذا ظهر الأذان محمولا على أمواج الصوت الرائع والمثير لشخص أسود، كرمز لوجود إفريقيا والزنوجة في الدين الجديد(…)   وليس بمقدور أي أحد أن يقنع الآخرين بسلطة مرسوم ينص على بث الأذان على الشاشة الصغيرة، خاصة في أيامنا هذه التي تكاثرت فيها بشكل مثير وسائل الاتصال والإعلام. إن مجتمعنا ليس في حاجة إلى من يدخله إلى الإسلام من جديد، بل هو في حاجة ماسة إلى من يستمع إليه، ومن يوضح له التحديات التي عليها مواجهتها.   عن شالنج وباتفاق معها  

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة