بنكيران شخص وجب التعامل معه بجدية | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

بنكيران شخص وجب التعامل معه بجدية

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 19 يونيو 2012 م على الساعة 19:40

بالإضافة إلى القدرة على التنظيم وترتيب الصفوف، القاعدة الأساسية للظفر بالسلطة، تعتبر القدرة على التأثير في الآخرين ركنا أساسيا لأجل الظفر بتلك السلطة. وهذا ما يفشل في إدراكه اليوم جيل الشباب الذي يتخيل أن الانتقاد، والسب والتنديد بمختلف أشكاله، أمور تكفي في حد ذاتها لأجل التغلب على نظام ما. وعلى هذا المستوى لم يستفد هؤلاء الشباب من شبكات التواصل الاجتماعي. من الأكيد أن تلك الشبكات لها قدرة على التواصل تظل ثورية مقارنة مع حقبتنا، لكن التواصل وحده لا يكفي للقيام بتعبئة متواصلة في الزمن وفعالة. ينبغي أن نملك أولا شيئا نقوله، كفكر يستطيع إشعال الرغبة وتغذية الإديولوجية، وتنوير الأفق. باقة حقيقية كما يقولون، قادرة على إخراجنا من حاضرنا ووضعنا ضمن مستقبل أفضل، وبرادايم جديد. القدرة على إثارة الإعجاب داخل المجتمع العصري تأخذ طريق مشروع للمجتمع لا يخلو من الترابط، ويجلب الاهتمام ويتجاوب مع التوقعات. لكن هذا المشروع يُحمل على أحسن وجه من قبل زعيم يترأس تنظيما ما ويكون رأس حربة ذلك التنظيم. كلا الأمرين ضروريان ومتكاملان في الآن نفسه. في الواقع يتطلب الأمر زعيما ذا كاريزما يستطيع أن يضفي بريقا على المشروع وتكون شخصيته تجسيدا لذلك المشروع. لم تتغير رؤية الشعوب لهذا الأمر منذ الأزمنة الغابرة، منذ ميلاد أول الزعماء. وتصبح التنديدات التي تتأسس على كل ما هو أخلاقي أو الدعوة إلى تطبيق العدالة، وبالرغم من عدالتها، مجرد دعوات بائسة. وهذا ما لم يستطع استيعابه شباب حركة 20 فبراير. ليس من العبث في شيء تحول القيام بتأسيس أحزاب جديدة قوية ونشيطة ومعبرة عن التطلعات الحداثية للجيل الجديد، إلى مهمة غير قابلة تقريبا للتنزيل على أرض الواقع في الوقت الراهن. إثارة الإعجاب التي نتحدث عنها تتبلور في شخصية زعيم واحد. وبالتالي، يجب استحضار ما سبق  لمقاربة شخصية كشخصية بنكيران. لازال العديد من المتتبعين يضحكون ملء أشداقهم من تصرفات هذا الأخير؛ بنكيران يبعثر الأوراق، هاهو يتخبط، ويتورط ويتوه وسط الأرقام! البعض يشرع في تأويل تصرفاته بناءا على الكفاءة التقنوقراطية، أو بدرجة أخطر من ذلك يلومونه على عدم التزامه بما وعد به الناخبين بسبب عدم احترامه لالتزاماته، لدى قيامه بالرفع من أسعار المحروقات. يا لها من أخطاء كبيرة يرتكبها هؤلاء المحللون المتسرعون! بدون أدنى شك، بنكيران سياسي محنك، ولديه حس سياسي مسيطر. إنه يدري جيدا متى يتراجع للخلف عندما تستدعي الظروف ذلك، ومتى يناقش عندما لا تكون لديه أية خيارات، ومتى يضرب بيده على الطاولة عندما يكون قادرا على فعل ذلك. ينبغي التحلي بقدر من الحكمة لأجل التوصل إلى قراءة منهجيته بشكل جدي. إنه لا يتصرف بتهور كما لو كان منخرطا في عمل كوميدي، مثلما يظهر من قراءة يعوزها بعد النظر تجعلنا نعتقد الحقيقة على خلاف ذلك. فخرجاته محسوبة جيدا، وتعزز بدراية كبيرة شهرته لدى جمهوره. وفي الواقع لا يتفحص جيدا المعجبون به أفعاله وأعماله وأقواله مثلما سيفعل مختص في الاقتصاد السياسي مرفقا بمختص في التحليل النفسي. الشك ليس هو القاعدة بالنسبة إلى هؤلاء؛ إنهم ينظرون لأبطالهم أكثر من استماعهم لهم، بعيون تحمل تعاطفا قبليا وغير خاضع لأية شروط. هذا هو الحال؛ إنه نقيض الآخرين، ضد هؤلاء الأشخاص الغارقين في امتيازاتهم الشخصية! إنه مثال الرجل الصالح بالنسبة إليهم. نعم إنه رهن إشارتهم، وببساطة لأجل التحدث معهم؛ لأنه لم يتحدث معهم أي شخص في السابق بهذه الطريقة المباشرة وجها لوجه. فحتى في الوقت الراهن، لم يتعود رؤساء الوزراء، بمختلف انتماءاتهم، على القدوم أمامهم لتقديم التفسيرات. لم يكونوا يتفضلون للقيام بذلك، لأن مراسيم المخزن لا تُشرح للعامة. لكن بنكيران قام بذلك. وبعد ذلك، حصل على رضاهم لأنه يعبر هيجاء مليئة بالأعداء، والمخاطر، والفخاخ هنا وهناك. إنه عالم الأفاعي المجلجلة؛ هذا المجال من الاقتصاد الذي كان، حتى وقت قريب، في يد أشخاص أقل رأفة، أشخاص متجبرين، وعديمي الشفقة، كانوا يفضلون الغموض. ليس من المهم بالنسبة إلى الجمهور أن يتحدث بلغة تقنية لأجل تفسير الزيادة في الأسعار. إنه هنا، مثل الساحر القادم من الأزمنة الغابرة الذي يتمتم ويتفوه بالعبارات السحرية، التي تكون بالضرورة غير مفهومة بسبب الغموض الذي ترتكز عليه، وذلك لأجل مواجهة المجهول وطلب عون العوامل الخارجية. البعض سيقوم بالدعاء لأجله، وهذا ما يتوقعه، وهذا ما يطلبه كذلك بدون كلل في أي مكان يزوره. ولأجل التحدث إليهم، كان ينبغي عليه أن يطرق الأبواب. لم تصبح أجهزة التواصل الرسمي شيئا مكتسبا بين يديه بشكل أتوماتيكي، بل كان ينبغي عليه أن يطلب الإذن قبل أن تفتح في وجهه. إنه لا يملك، مثل البعض، الجملة السحرية التي تفتح جميع الأبواب. ينبغي علينا الانتباه، بمناسبة هذا الحديث، إلى هذه الدرجة من التواجد خارج دوائر النظام التي يتم الإلحاح عليها متى أتاحت الفرصة ذلك. بنكيران هو في الداخل والخارج في الآن نفسه. إنه أمر قوي! لقد أتى إلى التلفزيون من مدرسة الوعظ والمسجد، المجالات التي كان يتحدث من خلالها للمنصتين إليه بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال القنوات التي يشرعها الإسلام في وجهه. أما اليوم فينبغي عليه أن يخفف من حدة نبرة كلامه لكي لا يصدم أذان الأشخاص النافذين. لقد قام بالفعل بوضع سبحته جانبا وارتدى ربطة العنق التي يتطلبها مثل ذلك المقام. كانت تلك المقامات حتى وقت قريب المحميات المحروسة لأعداء الشعب. ومنذ بضعة أيام فقط، كانت لبنكيران الشجاعة لإلقاء وعظه القاسي، لحد حديثه عن إمكانية اللجوء إلى القضاء في حق مسيري المؤسسات العمومية. هل هذا تصرف غير مسؤول؟ على العكس، حرروا أنفسكم من الوهم؛ فالأمر ليس كذلك بالنسبة إلى عامة الناس الذين يحبون مثل هذه الأمور. إنه بعيد كل البعد عن القضايا لدرجة أنه لا يملك أي تعاطف مع المدراء البعيدين عنه.. وبهذه الطريقة يضع رئيس الحكومة مسافة بينه وبين هذا الأخطبوط الذي أضعف السكان وحقر تظلماتهم. إنه لا يقترف الخطأ القاتل بنسيان نفسه، والإغراق بدون رجعة في ملذات السلطة. إنه لا ينغمس، مثلما يقوم العديد من الأشخاص، في الحفلات والمأدبات الفاخرة؛ حتى في أبسطها. إنه لم يثمل بعد بالأحاسيس القوية التي تجلبها الآفاق العالية، أو الظروف التي تقف في صفه. بنكيران لازال وسيظل في الحملة. لا مجال للنقاش بأن الأخلاق الدينية والصلوات اليومية تذكره دائما، كجميع أطر حزبه، بالواجب والفريضة. إنهم يضعون الناشط على مدار ذي أمد طويل من خلال وعظ النفس بشكل يومي. كما لا ينبغي أبدا الانخداع بهذه البساطة الظاهرة التي يغيب عنها الطيش، لأنها إحدى الملامح الأساسية لشخصية زعيم يبحث عن السلطة. عملية البحث عن السلطة كانت دائما مرفقة بإثارة الإعجاب بالنسبة إليه. كما يكون الزعيم منذ البداية، وأثناء صعوده، شخصا بسيطا وقريبا من الناس. ألم يكن نابليون كذلك بين جنوده في البداية، أو المقاتل الجريء والإمبراطور العظيم الذي أصبح إسكندر روما! من الأكيد بأن هذه الأمثلة عظيمة جدا، لكنها في هذا الصدد تفيد فقط للتنوير. يعتبر التعاطف الذي تجلبه البساطة سمة أساسية من سمات أي زعيم قبل أن يضع قدمه في الأماكن العليا للسلطة. وبنفس القدر، هذا ما يحاول بنكيران الحفاظ عليه؛ أي البقاء قريبا من الجمهور، ومحاولة التقرب منه. كما لا ينبغي علينا أن ننسى بأن البساطة هي من السمات التي مجدها كثيرا كبار المسلمين، من أمثال عمر بن الخطاب و عمر بن عبد العزيز. وسنستطيع فهم هذه المنهجية بشكل أحسن إذا تركنا جنبا، ولوهلة، المواضيع التي يتطرق إليها زعيم حزب العدالة والتنمية، والأخطاء التي يمكن أن تنتج عنها، والتي يستوعبها رجل الشعب جيدا. وبغض النظر عن المسائل المتعلقة بالأسعار، وصندوق المقاصة، أو أي مواضيع مشابهة، فالأمر الذي يهم هو الصورة الراسخة، إن تلك الصورة هي ما يسيبقى راسخا في الأذهان. إنها هي من ستوسع جمهوره، وأغلبيته. الرجل الضاحك، الرجل الذي يترفع عن وضع ربطة العنق التي تتحول هنا لرمز عن الطبقة الاجتماعية، المواطن الصالح، الزوج والأب الحنون والمسؤول، الرجل المتدين الذي يجلس حافيا القدمين على الأرض عند أدائه لصلاة الاستسقاء في الشارع، مع الشعب. هذا الرجل الفاتح لذراعيه، كإشارة على الانفتاح والسلم الذي يضع في الخزانة صورة الإسلامي الراديكالي، أكثر مكرا مما قد يتصوره بعض أشباه المحللين السياسيين. وبالنظر إلى درجة الدمار التي يجلبها للأجهزة التي يقترب منها، والشرارة التي يحس بها، فهو مقتنع بأن الوقت في صالحه. يجب إذن أخذه على محمل الجد.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة