كيف يمكن سحق الأحكام المسبقة؟ | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

كيف يمكن سحق الأحكام المسبقة؟

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم السبت 09 يونيو 2012 م على الساعة 18:59

كان باسكال يقول كل شيء سبب ونتيجة. ولا يمكن أن نفصل مسار الأحداث عندنا عن مآل موازين القوى بين العرب والعالم الإسلامي. ويتفق الملاحظون والخبراء والفاعلون على أننا نعيش منعطفا تاريخيا في مسار موازين القوى لدى الإنسانية. فمنذ أربعة قرون، يجد الغرب مركزه مهددا من طرف قوى صاعدة أخرى. فهل سيفلح في الحفاظ على مركز الصدارة الذي يحتله منذ أكثر من أربعة قرون، أم إنه سيسلم القيادة إلى قوى أخرى لها مرجعية ثقافية مختلفة؟ إن هذا السؤال متداول في كل المحافل الفكرية، ويؤرق صناع القرار الغربيين. وقد أراد أنور ماجد، باحث مغربي أمريكي، المساهمة في هذا النقاش من خلال كتاب نشره مؤخرا تحت عنوان « الإسلام وأمريكا: من أحل مستقبل خال من الأحكام المسبقة »(Islam and America,building a future without prejudice). والواقع أن الأحكام المسبقة تثقل وتحرف نظرة كل طرف إلى الآخر، ولكنها تؤثر كثيرا على نظرة الطرف الأمريكي أكثر من العالم العربي الذي يركز عليه أكثر الباحث أنور ماجد. فغالبا من ينظر إلى الإسلام على أنه لا ينتمي إلى التقاليد « التوراتية » (biblique)، فهذا الدين في نظر الغرب والأمريكان يقوم على التضليل ويميل أكثر إلى العنف، كما ينزع إلى الممارسات الشهوانية. وقد غذى سلوك المسلمين، أو بالأحرى تصور الأمريكان لهذا السلوك، هذه الأحكام المسبقة. والخيال الأمريكي خصب بالحكايات التي تجعل أهله يطمئنون أكثر لتلك الأفكار. ووفقا لهذه النظرة، فأحداث 11شتنبر لم تكن سوى نتيجة منطقية لهذه الثقافة التي ينظر إليها على أنها « وحشية »…هل يمكن للأمريكان الاستمرار في بناء تصورهم عن العالم الإسلامي انطلاقا من نظرة مشوهة ولكن ثابتة؟ يبدو أن البوادر الأولى للتغيير أخذت تلوح في الأفق مع خطاب الرئيس أوباما الذي ألقاه في القاهرة في يونيو 2009، أو على الأقل هذا ما يعتقده الكثيرون. بل إن الإسلام وفقا لهذا التوجه يعتبر أحد مكونات الملحمة الأمريكية. فهل تكفي هذه النوايا الحسنة لتلطيف قساوات سوء الفهم التاريخي وتخفف من حدتها؟ هذا ليس أكيدا. إن الجزء الأكبر من المسؤولية فيما يسميه البعض « موعد الحضارات » يقع على عاتق المسلمين. ولا يمكن للعالم الإسلامي، ومن داخله العالم العربي، أن يندمج في الحداثة إلا إذا تبنى قيم فلسفة الأنوار، أي: العقل بدل الخرافة، الحس النقدي بدل التقاليد، الحرية ضد الاستبداد، العدالة ضد المحسوبية والامتيازات المرتبطة بالطبقات الاجتماعية. والأهم من هذا كله، حسب ما يقول باحثنا أنور ماجد، ينبغي للعالم الإسلامي، بما فيه العالم العربي، القيام بتحليل موضوعي لتاريخه. بعبارة أخرى، ينبغي عليه التخلص من أفكاره المسبقة ومن أساطيره. والرهان هنا ثقافي أكثر منه سياسي… لقد كان (الفيلسوف الفرنسي الروماني) سيوران يقول إن « التقاليد العتيقة تعكس عبادة البدايات » (l’archaisme est l’idolatrice des commencements)، وبالتالي فالحداثة هي التحليل النقدي لتلك البدايات ذاتها. فهل العالم العربي مستعد لإلقاء نظر نقدية على ذاته؟ إذا كانت أدوات وآليات الغرب تغمر العالم العربي، فهذه الأدوات والآليات ناتجة عن حس نقدي، فكيف لنا إذن الافتتان بمنتوجات مادية ورفض الجوهر الفلسفي الذي كان مصدرا لها؟(…) إن تحليل الثقافة السياسية السائدة في العالم العربي يؤكد هيمنة التصور المانوي القائم على ثنائية الخير (الذي يمثله الأنا الجماعي) والشر الذي يتجسد في « الآخر ». أفلن يخرج العالم العربي من الاستبداد إلا ليسقط في الظلامية؟ هل هذا قدر لا مفر منه؟ لم أكف عن الدعوة إلى إعادة النظر في قطاع التعليم، ولكن ليس من أجل إعادة إنتاج نفس النماذج ونفس التصورات، أو من أجل تعلم بعض التقنيات الجديدة، بل من أجل إجراء عملية تخصيب لثقافة جديدة تقوم على الحس النقدي وعلى التفكير العقلي مع التوفر على نظرة واضحة للمستقبل. إن أنور ماجد على حق عندما يقول « ينبغي الحكم على الأمم، والأفراد على حد سواء، بناء على نظرتها إلى الأمور وليس بناء على مدى قدرتها على التكيف مع الأنظمة القائمة ». وهذا هو التحدي الذي علينا رفعه في هذه المنطقة من العالم التي تسمى المغرب، فقد نكون إذاك قادرين على التأثير في مجرى الأمور من خلال توفرنا على نظرتنا الخاصة إليها. بيد أن جزءا من الجواب، ونحن في هذا المنعطف من منعطفات التاريخ، يوجد بالغرب. إذ كيف يمكن لهذا الغرب أن ينتصر لقيم الأنوار إذا كان هو أول من يخرقها؟ كيف يمكن أن يكون مصدر إعجاب وصوته مسموعا إن كان يخدع نفسه؟ إن القاعدة الأولى في التعليم هي أن يعطي المرء المثل بنفسه، إذاك سيأتي الباقي بشكل تلقائي. عن « لافي إيكو » وباتفاق معها

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة