... ويبقى لنا التعليم

… ويبقى لنا التعليم

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الجمعة 25 مايو 2012 م على الساعة 20:20

صحيح أن الرأسمالية كان لها أثر مدمر على سلم القيم، ولا يمكن أن نختزل نظامنا التعليمي كله في مهمة الاستجابة لإكراهات رأس المال والتقسيم العالمي للعمل. وإذا كان السقوط في التسرع أو العجلة هو العيب القبيح للسياسة التي تم اتباعها، حسب مضمون ما ذهب إليه خبيرنا الوطني، فإن الحل يتمثل في التوفر على بنيات قوية لها القدرة على مقاومة التقلبات السياسية. كان الفيلسوف الألماني فيخت يلقي دروسه حول الأمة الألمانية، وهو يحمل جرحا أنطلوجيا بسبب الاحتلال الفرنسي لبلاده في عهد نابليون. وكان يبدأ دروسه، تحت الأنظار الساخرة لعناصر الاستخبارات الفرنسية، بتلك الجملة الصغيرة التي كانت لها تداعيات كبيرة لأنها غيرت وجه العالم: لقد فقدنا كل شيء ولكن بقي لنا التعليم ». ولما جاء بسمارك، موحد بروسيا، تبنى إرث فيخت، ليتم رفع هذا الفيلسوف، نصف قرن بعد وفاته، إلى مقام « أبي الأمة الألمانية » لما هزمت بروسيا فرنسا في 1870. ويبقى لنا من تلك الجملة المصيرية بالنسبة إلى بلادنا، التعليم. لنتفق أولا أن مشاكل التعليم من أكثر المشاكل تعقيدا لأنه لا يمكن اختزالها في المناهج الأكاديمية، فالمدرسة لا يمكن عزلها عن محيطها. قبليا، ترخي مشاكل المجتمع وثقافته ظلالها على التعليم، أما في مرحلة ما بعد التعليم، فآفاق التشغيل وسبل الترقي الاجتماعي تؤثر كثيرا على مدى جودته. فكيف يمكن تحفيز تلميذ إذا تحولت المدرسة إلى مجرد هيأة لإعادة إنتاج نفس الأوضاع الاجتماعية؟ (reproduction sociale)، حسب تعبير السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو. ولعل أولئك الذين يحنون إلى السنوات الماضية لنظامنا التعليمي ينسون أنه إذا كانت مدرستنا في الماضي توفر تعليما جيدا، فلأن التلاميذ وأهاليهم كانت لديهم الحوافز الضرورية، فالمدرسة العمومية كانت سبيلا إلى الترقي الاجتماعي. وهذه ليست حالة التعليم اليوم. ولهذا فمن بين المبادئ الأساسية في عالم التربية  عدم الاستسلام للحنين، فهو مرشد سيء. وبغض النظر عن تعقد مشاكل التعليم، لا يمكننا الهروب من سؤال أساسي سيكون له تأثير كبير على شكل نظامنا التربوي: ما هو طموحنا الجماعي؟ كما لا يمكننا الهروب من سؤال آخر رديف له: من نحن؟ وماذا نريد أن نكون في المستقبل؟ حظيت، مؤخرا، بالاستماع إلى أحد أهم خبرائنا في هذا المجال خلال يوم دراسي حول نظامنا التعليمي، هو عبد الإله مصدق، المفتش العام الأسبق لوزارة التربية الوطنية، الذي قدم عرضا رصينا وصريحا. ويمكن أن نتحدث، من خلال عرضه، عن مرحلتين كبيرتين في سلسلة الإصلاحات التي عرفها التعليم المغربي: الأولى جاءت بعد الاستقلال وحددت المبادئ الأربعة الأساسية التي كانت تعتبر تعبيرا عن طموح جماعي، أي تعميم التعليم، وتوحيده، ثم التعريب والمغربة(أي التوقف عن اللجوء إلى المتعاونين الأجانب). ونعلم جيدا أنه لم يتم تطبيق هذه المبادئ على أرض الواقع، أو تم تطبيقها بشكل فوضوي. أما المرحلة الثانية، فهي تلك التي تزامنت مع موجة العولمة انطلاقا من التسعينيات، والتي كانت تشدد على مبدأ الانفتاح، في قطيعة واضحة مع المبادئ الأربعة التي تم رفعها غداة الاستقلال. كان أصحاب هذا الإصلاح قد انخرطوا في التقسيم العالمي للعمل من خلال الخضوع لمتطلبات السوق. فمن كان يطرح مشاكل التعليم في تلك الفترة من غير الهيئات الاقتصادية العالمية؟ ويبدو أن الإشارات إلى الهوية كانت مجرد ذر للرماد في العيون.  وحسب الخبير المغربي دائما، فإن نظامنا التعليمي كان يشكو خلال المرحلتين من عائقين اثنين: التسرع والميل المفرط إلى تحقيق التسويات التي ترضي الجميع. فقد كان المسؤولون عن التعليم يتفادون القضايا الشائكة بتأجيلها، وكانوا يخلطون بين « التوافق » (consensus)، وهو مبدأ أساسي لتحقيق الطموح الجماعي، و »التسويات »(compromis)… والتوافق يفترض أن مختلف الفرقاء يستطيعون أن يقبلوا تبني مواقف بعضهم بعضا.. فهل هذا حالنا؟ هناك اليوم ضرورة ملحة لمرحلة ثالثة من الإصلاح.. مرحلة لا تلغي كل مكتسبات المرحلتين السابقتين ولا التراكمات التي تآكلت خلال أكثر من نصف قرن، ولكن كذلك لا يمكن أن نتحاشى الوقوف عند الإخفاقات والأخطاء. إن العالم يشهد اليوم تغييرا عميقا، وقد كانت لذلك الميل صوب اعتبار التعليم منتوجا مثل كل المنتوجات الأخرى أثار سيئة. فهل من باب الصدفة أن مشاكل التعليم كانت في قلب النقاش السياسي بفرنسا في هذه المرحلة بالذات التي أخذت فيها الرأسمالية تظهر حدودها مسببة الكثير من الحوادث الجانبية؟ ألم نر كيف تحول أطباء وفنانون من أوروبا الشرقية إلى موزعين للبيتزا، وسائقين للطاكسيات، ووسطاء في العقار؟ والأدهى من هذا كله، فبنات أوروبا الشرقية تدفقن مثل حمم البراكين على أوروبا الغربية لسد حاجات سوق المتعة. ولم تعد قيمة الشخص تتحدد بدرجة معرفتنا بل بحجم ما نكسبه من مال. لقد كان للرأسمالية أثر مدمر على سلم القيم ولا يمكننا أن نختصر نظامنا التعليمي ليلبي فقط إكراهات رأس المال والتقسيم العالمي للعمل. وإذا كان السقوط في التسرع والعجلة هو العيب القبيح للسياسات التي تم نهجها، حسب مضمون كلام خبيرنا الوطني، فإن الحل يكمن في التوفر على بنيات قوية لها القدرة على مقاومة التقلبات السياسية. ويقول فيخت إن « الناس لا يصبحون لعبا في يد القوى الخفية إلا إذا كانوا كلهم عميانا وجهلا، بيد أن بإمكانهم ألا يكونون لا عميانا ولا جهلا ». فلنحترس إذن من التسرع في مجال التعليم، ولنحرص على خلق بنيات قوية حول مبادئ عامة حتى نكون أسياد مصائرنا وليس مجرد لعبة بين يدي « القوى الخفية ». عن « لافي إيكو »

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة