الانتخابات الفرنسية..مرآة تعكس وجهنا الآخر | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

الانتخابات الفرنسية..مرآة تعكس وجهنا الآخر

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الجمعة 25 مايو 2012 م على الساعة 20:18

بغض النظر عن فوز هولاند وهزيمة ساركوزي، وهما النتيجتان اللتان لا تهماني البتة في الحقيقة، فأنا أحب متابعة الانتخابات الفرنسية عن قرب، بل أنا منجذب إليها بشكل مثير، وأعترف بأنني أحس بمتعة نادرة وأنا أتابعها. وطابعها الفرجوي هو ما يجذبني إليها مثل مرآة مثيرة تعكس صورتي، بل وتبرز جوانبها التي كانت عادة تظل في الظل. « مرآتي.. يا مرآتي العزيزة، قولي لي إن كنت الأكثر جمالا بينهم جميعا.. ابسطي أمامي فضائلي التي تؤكد جمالي الفريد ! » هكذا أنادي الحفل.. وهو مرآة وفية جدا بالخصوص إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المسافة الثقافية بيني وبينه، وكذلك المسافة الضرورية لتقييم محايد.. إنها مرآة تريني حقيقتي بدون أية مواربة. وبما أنها شبيهة  بالكريستال، فهي تحل شفرة الموضوع وتفكك خباياه أمام عيني. هكذا وبفضلها يعود النور الأبيض الشفاف الصافي ظاهريا، وذو الانعكاسات التي تعمي الأبصار، إلى أصله المختلط، أي أنه يتحول إلى ألوان زاهية وأخرى كابية هي التي يتشكل منها في الأصل، لكن ذلك البياض الناصع كان يخبئها عادة. بعبارة أخرى فهذا البياض يجد نفسه مجبرا على كشف أسراره. هكذا، تصبح هذه الشاشة السوداء، المتعودة عندي على الفلكلور المحلي والمناظر الجامدة ولغة الخشب، مفعمة بالحياة فجأة. وكأننا أمام خشبة متحركة، يأخذ حفل منوع وكثير الكلام مكان ذلك الآخر الصامت الممل. بهذا الشكل أقرأ هذه السلسلة من المعارك والجولات واللقاءات مع الجماهير التي لا تكف الشاشة الصغيرة عن بثها طيلة أيام الحملة الانتخابية. وأحس في خضم كل هذا باختلافي. وأنا هنا لا أتعامل بمثالية مع الأمر، وليست لدي أي أوهام فيما يتعلق بدور القوى « الخفية » في « التلاعب » بالانتخابات الديمقراطية. كما أنني أعي جيدا أن للمال مكانا أساسيا في معركة السيطرة على السلطة. فالقوى الاجتماعية المنخرطة في هذه المعركة تستخدم، وبدون أي مركب نقص، الوسائل التي تتوفر عليها، ومنذ زمان. لكن هذا لا يخفي علينا أننا، طيلة هذه المعركة الانتخابية، نتعلم الكثير من الأشياء عن السلطة خلال هذا التنافس. إن الأمر دائما يتعلق بحكاية سلطة صاعدة، بعملية خلقها (sa genèse).. بصعودها.. بعلاقتها بكل ما هو شعبي. وهذا « التعميد » المتواصل هو الذي يجعلها تكون حذرة وتتحاشى السقوط في « الاعتباط »(l’arbitraire). إن الحملة الانتخابية تمنحنا صيغة مركزة من عملية « الخلق » هذه.. تعيدنا إلى بداياتها. وبالتالي فليست الديمقراطية في حد ذاتها هي التي تبهرني، ولا تلك المساواة الافتراضية التي تحمل في طياتها مبدئيا، ولكن ما يهمني هو أنها تمنحنا فرصة مشاهدة معركة مفتوحة. في الأصل، يدين الزعيم بسطوته لعوامل السحر والشجاعة والقدرة الحربية، بعبارة أخرى يدين بمكانته لعامل « الاستحقاق » ! بهذه الطريقة إذن يصير كائنا فريدا داخل الجماعة.. يبهر قبل أن يفرض سيطرته بقوة السلاح. وبما أنهم أمام الجمهور العريض، أي كتلة الناخبين في النظام الديمقراطي، فإن المرشحين يجدون أنفسهم مرغمين على إبراز مؤهلاتهم. إنه عامل السحر المشار إليه أعلاه، أي أن المرشح يسحر الذين يستمعون إليه. وقد أظهر جون لوك ميلونشون، رغم النتيجة المتواضعة التي حصل عليها، أهمية التوفر على القدرة الخطابية للحصول على مكانة بارزة. ومن هذا المنظور فالحملة الانتخابية ما هي إلا ذلك المسار الذي يفضي إلى تكريس مكانة الزعيم. والتوفر على المعرفة (le savoir) ميزة ثمينة هذه الأيام لتحقيق هذا الهدف. بيد أن هذا ليس في الواقع جديدا مقارنة مع الماضي، فالزعيم كان ذلك الكائن الذي يحسن التوقع، وكان لتحقيق هذه  الغاية يربط علاقات جيدة مع السماء حتى يكون قادرا على فك رموز الأسرار الخفية، وتوقع ما سيحدث في المستقبل، وبالتالي فهو يكون قادرا نوعا ما على تنوير « رعاياه » بخصوص مصيرهم. إن هولاند وساركوزي لم يدعيا شيئا آخر غير هذا، فقط تركت العبارات السحرية مكانها للمعادلات الإحصائية والنمذجة الاقتصادية. وإذا كان الاقتصادي قد أخذ مكان المرشد الروحي (le gourou)، فإن انتظارات المتلقي لم تتغير. وبغض النظر عن الأرقام التوقعية، فمازالت العلاقة التي تربط الجمهور بـ »الزعيم المحبوب » يطبعها ذلك السحر المبهم. فالجماهير إما تحب ساركوزي أو لا تحبه(…) ومازالت « الهيبة » (l’aura) عنصرا أساسيا في بناء شخصية الزعيم(…) ويكفي أن نعيد مشاهدة الطريقة التي دخل بها فرانسوا ميتران، لما فاز بالرئاسة، إلى « البانثيون » (le pantheon)، بخطى وئيدة، وبهيئة فيها ما فيها من جلالة لدرجة بدا معها أنه كان خارج الزمن المشترك بين البشر، لندرك ذلك السر السحري المرتبط بالسلطة. إذن فعلى هذه الأرض جرت المعركة الحاسمة بين هولاند وسلفه. قد عرف هذا الاشتراكي كيف يلعب جيدا بورقة القرب والفخامة. فقد ظهر بمنطقة « كوريز » وتسلق الدرجات كزعيم محبوب سيفرض شرعية التزامه بالعمل من أجل جماعته. إنه رجل قريب من الناس، ودود، دائم الابتسامة، ويحب الحياة، وبالتالي فهو في متناول أيدي أنصاره. ثم بعد ذلك غادر معقله، وراح يبتعد شيئا فشيئا في اتجاه « مصيره الوطني ».. في اتجاه أخذ عرشه. وارتفع المشهد كثيرا في المسافة الفاصلة بين بلدة « تول » حيث ولد وساحة « الباستيل » الشهيرة في وسط باريس، ومعه فرانسوا(…) وتابعنا كيف تحسن مظهر هذا الأخير مع توالي الأيام، وكيف أخذت حركاته حجما أكبر، وصار صوته أكثر قوة.  إن السلطة تملك منطقا عميقا لا يتغير مع الزمن، فالرئيس الجديد يحب أن يبقى في المقاطعة الـ15 بباريس، ويعيش مثل جميع الناس، إلا أنه يجب عليه الرحيل إلى قصر الإليزيه ! فهذا الحجاب يبقى من تلك الثوابت التي تسمح للسلطة بالابتعاد عن العامة لأن طبيعتها ودورها يفرضان عليها ذلك. إن الدرس المستخلص من هذه الحكاية هو أن السلطة في الديمقراطية ملزمة بأن تعيد النظر في نسختها، فلا شيء بالنسبة إليها مكتوب في صيغته النهائية. إن أي حزب يجب عليه، إن أراد أن يقود مرشحه إلى قمة السلطة، أن يتحرك بقوة، وكل أعضائه، بدون استثناء، مدعون للعمل  والظهور أمام الملأ والدفاع عن مواقفهم وتقويض مواقف الخصوم، ولا أحد يمكن الاحتماء بالظل والإفلات من هذه المهمة. وتكون المنافسة حادة لدرجة أن من هم الأفضل هم وحدهم الذين يظلون على السطح من حيث المبدأ، ويفلحون في احتلال الصفوف الأولى.  وتحضرني صور كل أولئك الذين يملكون السلطة عندنا ويظلون حبيسي الصمت، كما تحضرني صور كل أولئك يفضلون الإحجام عن الكلام، ويعتمدون تقنية إفشاء الأسرار. إن الصمت والتهرب هما القاعدة التي تفرضها الحكمة الجاري بها العمل في بلداننا. ولعل هذا ما جعلني أفهم لماذا نحن بعيدون أشد البعد عن المنافسة  التي تغيب عن قائمة القواعد التي تؤطر اللعبة السياسية عندنا؟ وأتصور كيف يمكن للضعف والنفاق أن يظلا حاضرين في مستويات عالية من هرم الدولة دون أي عقاب، حين لا يكون الفاعلون السياسيون خاضعين للمحاسبة المستمرة والعلنية.. تلك المحاسبة التي تحمي الأمة من الانحرافات التي يمكن أن يفضيا إليها. إن الحملة الانتخابية في الأنظمة الديمقراطية لا تكشف كل شيء عن رهانات السلطة، ولكنها تعري عددا من آلياتها. وبمساءلتها، فهي تخضع السلطة لاختبار الحقيقة وتفرض عليها تنظيف مطبخها.   عن « شالنج » وباتفاق معها  

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة