الموت البطيء للفكرة البرلمانية | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

الموت البطيء للفكرة البرلمانية

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الخميس 29 نوفمبر 2012 م على الساعة 12:06

ربما هو نابليون بونابرت، من قال «اريد دستورا قصيرا وغامضا». النصوص القصيرة والغامضة تمنح للحاكمين مساحات أوسع للتأويل، وتعددا مؤكدا للقراءات. لذلك ظلوا يحتكرون سلطة «التاويل» واستنطاق ما وراء السطور، وعن طريق ذلك كانوا في الحقيقة يعيدون «صياغة» هذه النصوص وتكييفها وفقا لرغباتهم، ولمصالحهم. الانتقال الكبير للديمقراطية، الذي عاشته الدول الغربية، كان يعني كذلك التحول من حالة الدساتير الوجيزة والغامضة إلى الدساتير التي تعنى بالوضوح و التدقيق، ثم بعد ذلك للجيل الجديد من الدساتير المفصلة. انتقال شهد بالموازاة مع ذلك نقل سلطة التأويل من الحاكم إلى القاضي، حيث لم يعد الأمر مجرد لعبة للمزاج والأهواء، و في أحسن الحالات قضية تقدير سياسي خالص، بل مسألة مناهج وقواعد. في المغرب، لم يحدث منذ 1962-التاريخ المتأخر لالتحاق بلادنا بزمن الدسترة- إن كان لدينا دستورا بمواصفات بونابارت، لكن الملك الراحل الحسن الثاني كان يعتبر الملكية سابقة على الدستور، ومؤسسة «فوق» نصوصه، و»أسمى»من قواعده، لذلك شكلت العديد من خطبه مناسبات لاستعراض تأويلات شتى لفصوله ومقتضياته، وصلت حد تحويل الفصل 19، بكل ما يقدمه من حمولة بلاغية  مشحونة بالمعاني الدينية والتاريخية، إلى دستور جديد اجتهد الباحثون في توصيفه كدستور عرفي أو ديني أو ضمني!! اليوم مع دستور جديد، يمكن القول إن متغيرات كبرى باتت تحيط بإشكالية التأويل. من جهة تقدم دستور2011 على مستوى التفصيل والتدقيق في كثير من المقتضيات، ومن جهة أخرى تحمل هذه الوثيقة إقرارا واضحا، وقويا بمسألة سمو الدستور وخضوع باقي المؤسسات لأحكامه، زيادة على ترقية المجلس الدستوري إلى محكمة دستورية. كل هذا من شأنه أن يقودنا لطرح السؤال عما إذا كان سيؤدي هذا التحول إلى أن يتجاوز القضاء الدستوري ببلادنا وضعية السلطة «الثانوية» في التأويل الدستوري؟ إن المطلوب من كل الفاعلين القطع مع مرحلة اعتبار التوافقات السياسية ذات أولوية مطلقة على التقيد بالدستور، وهنا فإن دور النخب السياسية في تمثل سمو الدستور لا يقل أهمية عن دور المجلس الدستوري، الذي كثيرا ما يظهر كضابط للتوازنات السياسية أكثر من حرصه على احترام الدستور.    لقد بنى القضاء الدستوري المغربي «عقيدته» الاجتهادية على المغالاة في تقييد وعقلنة البرلمان، لذلك لابد من السؤال عما إذا كان اليوم -مع التوازنات المؤسسية الجديدة- سيتحول إلى مدافع عن تقييد وعقلنة الحكومة، مقابل الصلاحيات الملكية؟  إن التأويل الديمقراطي يعني، بدءا، ما يمكن نعته بالتأويل «الدستوري»للدستور، والذي يعني الانطلاق من النص، وليس من الوقائع السياسية، ثم يعني كذلك الانطلاق من استحضار روح إصلاحات2011 المتمثلة أساسا في تقوية النفس البرلماني للعلاقة بين الحكومة والبرلمان، وهذا ما لا نلمسه في كثير من التأويلات الرئاسية لبعض قرارات المجلس الدستوري الصادرة حديثاً. لقد اعتبر المجلس الدستوري أن تقييم السياسات العمومية لا يمكن أن يكون عملا للجان البرلمانية، وأنه يمكن اختزال كل هذه الصلاحية البرلمانية الكبرى في مجرد جلسة سنوية واحدة للمجلسين مجتمعين! كما فسر استقلالية المؤسسات الوطنية وهيئات الحكامة، كاستقلالية عن السلطة التنفيدية، وهو محق في ذلك، لكنه عندما اعتبر مناقشة اللجان النيابية لتقارير هذه المؤسسات عملا مخالفا للدستور، يكون قد ذهب بعيدا في قراءته لهذه الاستقلالية حتى أصبحت استقلالية اتجاه البرلمان نفسه! أما بمناسبة رقابته لدستورية القانون التنظيمي المثير للجدل، والمتعلق بالتعيين في المناصب العليا، فقد تنازل عن وظيفته في تفسير مفهوم المؤسسات والمقاولات الاستراتيجية، وهو مايعني تكريس التأويل المغرق في الرئاسية، الذي قام به كل من المشرع والحكومة. إنه من المهم الحديث في هذه المرحلة عن تطبيق وتفعيل الدستور، أكثر من الحديث عن تأويله، لكن ولأن هذا الدستور في النهاية يبقى عبارة عن «كلمات»، فإنه قد يكون في بعض الحالات معرضا للتأويل، تأويل ستتضطر الحكومة والمشرع  لممارسته كثيرا بمناسبة إعداد باقي القوانين التنظيمية، مما يعني أن الدستور النهائي هو الذي سنحصل عليه في نهاية الولاية، لنرى حينها من سيكون أكثر حضورا، الطابع البرلماني أم الطابع الرئاسي؟ عموما، المؤشرات الحالية تقدم منحى تنازليا شبيها بموت بطيء للفكرة البرلمانية الحاضرة في وثيقة يوليوز2011.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة