هل تغيرت صورة البرلماني اليوم؟

هل تغيرت صورة البرلماني اليوم؟

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم السبت 11 أغسطس 2012 م على الساعة 12:11

خلال منتصف هذا الشهر سيختتم البرلمان المغربي دورته الأولى خلال هذه الولاية التشريعية، الولاية الحالية جاءت في أعقاب انتخابات تشريعية أفضل من سابقاتها بكثير، وذلك بفضل رياح الربيع العربي التي هبت نسائمها على المغرب. مجلس النواب الذي تم اختيار أعضائه بالاقتراع العام المباشر شهد حركية مهمة خلال هذه الدورة، وحظيت أشغاله وبعض مشاريع القوانين المعروضة عليه بمتابعة هامة من طرف المراقبين. صورة البرلمان المغربي لدى الرأي العام خلال السنوات الأخيرة ظلت صورة باهتة، ومؤسسة البرلمان ظلت تفتقر إلى الكثير من المصداقية لدى المواطنين، والانطباع الذي ظل سائدا لدى رجل الشارع العادي هو أن البرلمان لا يعكس الخريطة السياسية الحقيقية في البلاد و لا يمثل الإرادة الحقيقية للأغلبية التي لا تشارك في الانتخابات.. وقد ازداد هذا التصور رسوخا مع استفحال ظاهرة الغياب عن جلسات البرلمان بالإضافة إلى آفة « الترحال السياسي » التي ساهم الدستور الجديد في الحد منها. أما صورة البرلماني فلم تكن تقل سوءا عن صورة المؤسسة البرلمانية، وظل النائب أو المستشار الناجح هو الذي يسعى إلى تقديم خدمات الوساطة لبعض المواطنين بغض النظر عن حضوره المطلوب داخل المؤسسة وإسهامه في المجال التشريعي والرقابي من خلال عمل اللجان وحضور الجلسات العامة والمشاركة بالرأي والنقد والتحليل.. علما بأن عضوية البرلمان ليست امتيازا شخصيا، بقدر ما هي أمانة، تتطلب العمل الجاد من أجل الإسهام في إيجاد حلول واقعية للقضايا الملحة للشعب. السؤال المطروح اليوم هو هل تغيرت هذه الصورة أم لا زالت سائدة رغم التحولات السياسية النوعية التي جرت في المغرب؟ من المؤكد أن التغييرات التي همت مجلس النواب أفرزت صورة جديدة على عدة مستويات: نسبة تجدد مهمة أفرزت نخبا برلمانية جديدة وخاصة على مستوى النساء والشباب بفضل نظام الكوطا، نسبة حضور متقدمة بالمقارنة مع الوضع السابق، ومع تفعيل مقتضيات النظام الداخلي للمجلس ستزداد نسبة الحضور بالتأكيد، الحضور الشهري لرئيس الحكومة أضفى مصداقية أكبر على العمل البرلماني وبدأ في تمكين المواطن من متابعة النقاش المرتبط بالسياسات العمومية بشكل منتظم،  نقاش حيوي جدا هم بعض مشاريع القوانين داخل لجان المجلس مثل مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالتعيين في المؤسسات العمومية ومشروع قانون حماية العسكريين، بروز البعد الرقابي لأشغال اللجان مع مساءلة بعض مديري المؤسسات العمومية، ومع تنظيم بعض الزيارات الميدانية الاستطلاعية.. هذا التوصيف السريع لا يعني أن المؤسسة التشريعية بخير، فلا زال هناك عمل كبير ينتظر مجلس النواب لتحقيق حكامة برلمانية جيدة وممارسة نيابية ناجعة، قائمة على تعزيز حضور الأعضاء، وجودة أعمالهم، ومستوى إسهامهم، في معالجة الانشغالات الحقيقية للشعب، مع وجوب عقلنة الأداء النيابي ككل وما يتطلبه من تكامل وانسجام بين المجلسين باعتبارهما مؤسسة واحدة، ومعلوم أن تحسين أداء البرلمان، يقوم على اعتبار مجلسيه برلمانا واحدا بغرفتين، وليس برلمانين منفصلين.. وهنا تطرح مفارقة كبرى حول صورة مجلس المستشارين، أمام مجلس قديم لدستور جديد ..! هذا المجلس تم انتخابه في ظروف سياسية معينة، وهو إفراز للانتخابات الجماعية ل2009 وما شابها من مظاهر العبث والتحكم ومحاولات قتل السياسة… لكن الجديد هو الدستور الذي جعل هذا المجلس يتكون من 90 عضوا على الأقل و120 عضوا على الأكثر، ينتخبون بالاقتراع العام غير المباشر لمدة ست سنوات على أساس التوزيع التالي: ـ ثلاثة أخماس الأعضاء يمثلون الجماعات الترابية يتوزعون بين جهات المملكة بالتناسب مع عدد سكانها، ومع مراعاة الإنصاف بين الجهات، ينتخب المجلس الجهوي على مستوى كل جهة، من بين أعضائه، الثلث المخصص للجهة من هذا العدد. وينتخب الثلثان المتبقيان من قبل هيئة ناخبة تتألف من المنتخبين في الغرف المهنية، وفي المنظمات المهنية للمشغلين الأكثر تمثيلية، وأعضاء تنتخبهم على الصعيد الوطني، هيئة ناخبة مكونة من ممثلي المأجورين. ويبين قانون تنظيمي عدد أعضاء مجلس المستشارين ونظام انتخابهم وعدد الأعضاء الذين تنتخبهم كل هيئة ناخبة وتوزيع المقاعد بين الجهات، وشروط القابلية للانتخاب، وحالات التنافي، وقواعد الحد من الجمع بين الانتدابات، ونظام المنازعات الانتخابية. هذه المقتضيات الدستورية الجديدة تتطلب ملاءمة وضعية مجلس المستشارين مع مقتضيات الدستور الجديد الذي دخل حيز التنفيذ منذ نشره بالجريدة الرسمية. وكان المطلوب أن تدخل البلاد في الانتخابات الجماعية وانتخاب مجالس الجهات مباشرة بعد انتخابات 25 نونبر 2011 بعد تهييء القوانين الضرورية، وهو ما أشار إليه خطاب ملكي سابق حينما أشار إلى متم سنة 2012 كآخر موعد لانتخاب مجلس المستشارين. لكن، لاعتبارات سياسية بالدرجة الأولى أخلفت بلادنا هذا الموعد وها نحن أمام مجلس يفتقر إلى المصداقية السياسية اللازمة ويبدو نشازا في المشهد المؤسساتي الحالي، وبات الحديث عن تجديد الثلث في تعسف واضح على مقتضيات الدستور الجديد. المطلوب اليوم الإسراع بإخراج النصوص القانونية المطلوبة وتوفير الشروط التنظيمية، من أجل ضبط الأجندة السياسية لإجراء الانتخابات الجماعية وانتخاب مجالس الجهات في أفق التجديد الكامل لمجلس المستشارين وملاءمة وضعيته القانونية مع الدستور الجديد، وإفراز مجلس جديد يتمتع بالشرعية السياسية والتمثيلية اللازمة، حتى يستعيد البرلمان بغرفتيه المصداقية الضرورية في بلاد تتلمس طريقها نحو ديموقراطية كاملة بصعوبة كبيرة..

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة