العدالة والتنمية في الميزان

العدالة والتنمية في الميزان

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الجمعة 03 أغسطس 2012 م على الساعة 10:15

يقدم المشهد السياسي المغربي واقعا حافلا بمظاهر متناقضة تتراوح بين بعض علامات التفاؤل وبعض دوافع التشاؤم. قبل أيام انعقد بالرباط المؤتمر السابع لحزب العدالة والتنمية والذي تميز بحضور جماهيري لافت وتنظيم جيد، كما شهد المؤتمر انتخابا ديمقراطيا وسلسا لأجهزة الحزب وأمينه العام في الوقت الذي استعصى على حزب عريق كحزب الاستقلال أن يحسم في اختيار أمينه العام الجديد. المأمول أن يسهم المؤتمر الأخير لحزب العدالة والتنمية في استثارة « غيرة » باقي الأحزاب المغربية كي تسعى جديا إلى إصلاح أحوالها وتطوير نشاطها وترسيخ آليات شفافة وديمقراطية في تسييرها. إذا كان أداء الحزب الاسلامي الذي تجلى أكثر في مؤتمره الأخير من شأنه أن يساعد على الرفع من مستوى العمل الحزبي والسياسي لو أحسنت الأحزاب الأخرى تلقي الإشارة، واستجابت بذكاء لمتطلبات منافسة سياسية إيجابية، فهذا لا يمنع من القول أن « العدالة والتنمية » مطالب بتطوير أدبياته على الأقل في ثلاث نقاط هامة.   النقطة الأولى تتعلق بالممارسة الديموقراطية الداخلية، إذ جرت العادة لدى الحزب ذي المرجعية الإسلامية ألا يتقدم أحد من تلقاء نفسه للترشح لمنصب الأمين العام، إذ يتكفل أعضاء المجلس الوطني باختيار المرشحين عن طريق التصويت، بينما المفروض أن يقدم كل مرشح برنامجا يترجم تصوره وخطته لتطوير مكانة الحزب والإسهام في المشهد السياسي الوطني، على أن يتولى أعضاء الحزب المفاضلة بين البرامج والتصويت للمرشح الأكثر كفاءة، مع تطويق الأمين العام الجديد بمسؤولية الوفاء ببرنامجه ومحاسبته في المؤتمر اللاحق حول مدى التزامه بتعهداته السياسية. وتعظم أهمية البرنامج حين يتعلق الأمر بالحزب الذي يقود الحكومة ويتحمل مسؤولية تتطلب المبادرة والالتزام.    النقطة الثانية، والتي يشترك فيها حزب العدالة والتنمية مع سائر الأحزاب المغربية الموجودة في الساحة هي عدم امتلاك برنامج متكامل لتنفيذ الإصلاح وتحقيق التنمية. المقصود طبعا ببرنامج متكامل أكثر من شعارات وأفكار عامة يرددها القاصي والداني، فالمطلوب هو خطط جاهزة لتطوير القطاعات الحيوية تكون مؤسسة على تشخيص دقيق ومعطيات سليمة، على أن تنبع كافة الخطط من استراتيجية عامة تروم تنفيذ إصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي وتحقيق التنمية الشاملة. هذا علما أن الاستعانة بخطاب أخلاقي في موقع يتطلب العمل والمبادرة والاجتهاد أمر لا يستقيم. وقد جرت العادة في المغرب أن يصل حزب سياسي إلى المسؤولية الحكومية ثم « يكتشف » أنه لا يمتلك في جعبته برنامجا جديا لإصلاح التعليم والصحة والإدارة والقضاء…فيقضي وقتا غير يسير في استكشاف المعطيات على أرض الواقع ثم يُبَادر إلى اتخاذ بضع قرارات هنا وهناك قد تكون صائبة لكنها غالبا ما لا تفي بالمطلوب لغياب استراتيجية شاملة. كل هذا على فرض توفر الإرادة والإخلاص، وما لم يغص المسؤولون الحكوميون في تدبير الأعمال الروتينية ويغفلوا عن القضايا الإستراتيجية للقطاعات الذي يشرفون عليها. صحيح أن وضع برنامج متكامل أمر عسير يتطلب قدرا كبيرا من الكفاءة والخبرة لن تجدها لدى جهة واحدة، لكن السياسي البارع، في الحزب أو الحكومة، هو ذاك الذي يحسن الاستعانة بالكفاءات والخبرات أيا كانت مرجعيتها أو انتماؤها. ولا أظن أن يوجد بين أهل الخبرة والدراية بمجال ما أو حتى بين مواطنين بسطاء من سيبخل بجهده أو أفكاره للإسهام في تقديم حلول وبرامج، سواء طلب الاستشارة حزب اسمه العدالة والتنمية أو الأصالة والمعاصرة أو الاستقلال أو أي حزب أو جهة أخرى.  في انتظار ذلك تواجه الحكومة الحالية بقيادة العدالة والتنمية صعوبة تدبير الشأن العام في غياب برنامج حقيقي متكامل بنوع من الحيرة والتردد. ويزيد من صعوبة المهمة إرث ثقيل وظروف دولية صعبة تتميز بتفاقم آثار أزمة اقتصادية قاسية. وقد استبدت الحيرة بالحكومة حتى أغفلت مباشرة إصلاحات لا تكلف كثيرا. ما المانع من تبسيط الإجراءات الإدارية في كافة المصالح لفائدة المواطن؟ في بلد مثل كندا يمكن قضاء أغلب الأغراض الإدارية بواسطة الهاتف والإنترنت. ما المانع من تبسيط الإجراءات الإدارية لفائدة المستثمرين؟ رئيسة الاتحاد العام لمقاولات المغرب مريم بنصالح جددت قبل أيام طلبها للحكومة بإعادة النظر في المساطر الإدارية التي تكبل الاستثمار والنشاط الاقتصادي. إن ورش تبسيط الإجراءات الإدارية كفيل لوحده بتوفير إمكانات مالية وبشرية هامة حري بالحكومة توظيفها في مجالات أخرى، كما أنه سيمكن الاقتصاد الوطني من كسب بضع نقط في معدل النمو هو في أمس الحاجة إليها، هذا فضلا عن الآثار النفسية والاجتماعية الإيجابية التي سيستفيد منها المواطنون. النقطة الأخيرة مرتبطة بقلة تجربة حزب العدالة والتنمية في ممارسة العمل الحكومي والسياسي، وهي التضايق من النقد الذي يكون أحيانا جديا وأحيانا أخرى غير ذلك، وكذا الانصياع لمعارك جانبية مفتعلة. من قبيل الضجة حول حضور برونشتاين مؤتمر الحزب، أو ما أثير حول عشاء فاخر للوزير عبد القادر اعمارة في عاصمة بوركينافاصو ورد الوزير بدعوى قضائية…المسؤول الحقيقي مطالب بأن ينصرف إلى أداء مهمته بكفاءة ويوظف كل جهده ووقته لذلك، مع حسن الإنصات للنقد البناء، وتجاوز ما دون ذلك من مبالغات أو إساءة. فالحصيلة المنجزة هي الكفيلة وحدها بأن تشهد لصاحبها أو عليه.  

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة