قصتي مع "صبرا وشتيلا"..ضحك كالبكاء | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

قصتي مع « صبرا وشتيلا »..ضحك كالبكاء

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 19 سبتمبر 2012 م على الساعة 10:23

تُخلَّد هذه الأيام ، الذكرى الثلاثين لـ »الهلوكست » الفلسطيني المنسي، مجزرة  صبرا وشتيلا، التي راح ضحيتها مابين 3500 و5000 شهيد بمخيمات اللاجئين الفلسطينيين بلبنان حسب رواية شهود عيان…السادس عشر، السابع عشر والثامن عشر من شتنبر، كانت الأيام الثلاثة للتقتيل المتعمد والبشع، للآلة العسكرية الإسرائلية، وعملائها، وقبلها أرواح ضحايا مازالت « تئنّ » و »تصرخ » في دير ياسين، كفر قاسم، نعلين.. جنين.. في كل ذرة تراب من أرض فلسطين الأبية. أضحت مجزرة صبرا وشتيلا، وشما محفورا في ذاكرة القضية الفلسطينة… صديقتي أنتونيلا الإيطالية، تقول أنها لم تنسى الحدث، تتذكر جيدا أن والديها كانا يدرفان الدموع حينها بحزن شديد على صور الضحايا القادمة من لبنان…في تدوينة على صفحتي الفايسبوكية كتبْتُ بالإيطالية « الهولكست الفلسطيني المنسي » قالت لي أنتونيلا  شكرا على الذكرى…لكن بعد ذلك، تبادرت إلى ذهني مجموعة من الأسئلة.   سألت نفسي ما علاقتي بصبرا وشتيلا، فلسطين…؟ ما الدافع لتذكر القضية؟ ، ولماذا أكتب عنها؟ لم أجد الجواب إلا في سبعة صور على الأقل، لازالت عالقة بذاكرتي، وتوقض في دواخلي أحاسيس ونوستالجيا يمتزج فيها الحزن بالفرح، أما باقي الصور فلا تسع المناسبة، لذكرها.  الصورة الأولى أتذكر مجزرة صبرا وشتيلا منذ صيف 1982…لم أكن أعرف معنى: حرب/ فلسطين/ لبنان، كلمات كانت تتردد على مسامعي، وأنا أتابع نشرة الأخبار في انتظار فيلم تجود به دار البريهي، بعد الانتهاء من « خطبة العلوي »، كما كان يناديها الوالد نسبة إلى الزميل مصطفى العلوي. أستحضر مجزرة صبرا وشتيلا، مقرونة بتلك الليمونة المبتسمة، شعار مونديال إسبانيا حينها، المطبوع على صور كنا نجمعها للمنتخب الإيطالي الفائز بدورة تلك السنة. لا أعرف لماذا أتذكر ابتسامة الليمونة حتى الآن، أترى لأنها استبقت ابتسامة شهداء المجزرة بشهرين ونصف من تاريخ نهاية المونديال، قبل أن تعتدي عليهم الأيادي الآثمة للجيش الإسرائلي، وكتائب القوات اللبنانية، بقيادة المجرم أرييل شارون. الصورة الثانية لم أنسى الشكل الجميل للكوفية الفلسطينية، منذ أيام الطفولة، بدار الشباب المركز تمارة، رفقة الجمعية المغربية لتربية الشبيبة « أميج »… حيث أغاني فيروز، أميمة ومرسيل، تصدح قاعة العرض، والكوفيات الفلسطينية تزين الفضاء. كانت صُبحيات أيام الأحد الجميلة ثورية كعادتها، وحده ضجيج صوت القطار يعكر صفو المكان، بما يشبه العدوان، رغم ذلك كنت أستجمع تركيزي مع صرخات رشيد ورشيدة، وهما يلتحفان الكوفية والعلم الفلسطيني على ركح المسرح، تشدني آهاتهم، وكأني بهم قادمون من مخيم صبرا وشتيلا… مثقفو الحومة كما عهدتهم رفقة أخيهم الأكبر محمد…إنهم الإخوان شخمان أبناء الحي الوديعون، ذوي الطباع الهادئة بين الجيران، الصاخبة في « الميدان »…حينما كبرت سأكتشف أنهم مشاغبون سياسيون، طليعيون يساريون… يحملون ولازالو هم قضية اسمها فلسطين، وحنضلة « المسكين ». الصورة الثالثة  ذات يوم من صيف سنة ثمانية وثمانين، تسع مئة وألف، كلفني خالي عبد المولى، الأستاذ، لأقتني له « الاتحاد الاشتراكي ». لازال وضع بعض الصور بالجريدة عالقا بذهني: المقالع، الحجارة، والعجلات المشتعلة نارا…على الصفحة الأولى…صبرا وشتيلا لا تغاذر ذاكرتي… مع مرور الأيام  حينما سأكبر سأكتشف أن الخال أيضا كان يساريا، نشيطا في صفوف حزب عبد الرحيم بوعبيد… الصورة الرابعة في مستوى الخامس ابتدائي، بدأت أهيئ دفترا للذكريات، إذانا بقرب توديع المرحلة الابتدائية، دشنت خربشاتي الأولى بما سميته قصيدة حينئذ عنوانها « أطفال الحجارة »، حسبت نفسي شاعر زماني، أبحث عن المفردات الطنانة في منجد الطلاب، الذي اقتنيته للتو من مكتبة البراعم، بعد أول حوالة مالية بعثها الوالد من ليبيا التي هاجرإليها حديثا، أصبحت أنظم الكلم بالقوافي، ليس فقط لأطفال فلسطين، فقد انضاف أبي « تيمة » جديدة، كما لقننا أستاذ اللغة العربية في الإعدادي، أصبحت أخاف على الوالد، أن يحصل له مع الليبيين مايعيشه الفلسطينيون من عدوان، كانت العلاقة حينها جد متوثرة بين ليبيا وأمريكا، بسبب أزمة لوكيربي، وقبلها كان بلد العم سام قد قصف القذافي  بعقر داره في أبريل من سنة 1986. كنت بكر الوالد في الدار، ودائما صور صبرا وشتيلا، وضحايا انتفاضة أطفال الحجارة، تحاصرني طفلا صغيرا. الصورة الخامسة في خريف 2003، كانت إسرائيل قد وجهت قذيفة صاروخية بالقرب من  مخيم اليرموك، بسوريا، كنت حينها هناك، للتو قد وصلت لدمشق، في دورة تدريبية للصحفيين الشباب، زرت مخيم اليرموك الذي يقطنه عرب فلسطين المرحلين منذ 1948، كنت في ضيافة الكشافة، هناك في إحدى الغرف كان معرض للصور يستعرض نكبات أشبال أبو عمار، وضمنها استرعت انتباهي مرة أخرى مجزة صبرا وشتيلا…. الصورة السادسة حينما انطلقت الآلة العسكرية، في خريف 2008 تحصد ضحاياها من الفلسطينيين، في قطاع غزة، كانت الصوَر التي أتابعها عبر الفضائيات العالمية، تذكرني مرة أخرى بصبرا وشتيلا، أضحى همي الوحيد لحظتها، بروح جد متحمسة، أن أمضي في مهمة صحفية للمنطقة، وأنقل الجرائم البشعة التي كان يرتكبها الجنود الإسرائليون في حق المدنيين العزل، رتبت مجموعة من الاتصالات للدخول عبر وسطاء إلى غزة من خلال معبر رفح، لكن في الأخير لم أحقق الأمنية، بسبب أن رئيس التحرير الذي كان سيزكي المقترح لدى مدير النشر، ذهب في عطلة مفاجئة يومها…لكن شاءت الأقدار في نفس الوقت، أن استقبلت مكالمة سارة ذات زوال بعد « بوكلاج » العدد اليومي للجريدة،  كانت مفاجأة دون ترتيب مسبق، في الجهة الأخرى من الهاتف، يحدثني مسؤول من  راديو رام الله الذي سيقترحني مراسلا له من المغرب (وافقت دون تردد)، لنقْل الأجواء التضامنية للمغاربة مع أشقائهم الفلسطينيين أثناء حرب غزة… أتذكر في إحدى مسيرات الرباط الحاشدة، حيث كنت أحاور على الهواء مباشرة عضو المكتب السياسي للتقدم والاشتراكية، محمد فكاك، بينما انتهيت للتو من مراسلتي لنشرة الأخبار لراديو رام الله ، باغثتني الصديقة والزميلة حنان بكور بجريدة المساء آنذاك، بطلب إهدائها الكوفية التي كنت ألتحفها، لكن سرعان ما اشتريت أخرى أحتفظ بذكريات جميلة معها لحد الآن، وهي نفسها الكوفية التي ستصير لي معها قصة في المطار، حينما قررت الهجرة، نحو الضفة الأخرى. الصورة السابعة حينما كنت أودع صديق الطفولة، الزميل حميد المرجاني، قريبا من بوابة المنطقة الدولية لمطار ابن بطوطة، بطنجة، وأنا أغادر الوطن لأول مرة نحو الديار الإيطالية، لاستكمال مساري المهني والدراسي في الاتصال والسينما، تركت له رزمة من الملابسة الزائدة عن الوزن المطلوب في الرحلة الجوية ، بدا وكأنه أحد تجار البالون بسوق الغزل بالرباط،  فاجأني حميد وهو يمدني كوفية فلسطينية، من ركام ملابسي المنثورة على الأرض، قائلا بالحرف « خوذها راك انسيتها »، كان جوابي: « الله يهديك، احتى لتما ونشري بحالها »، غير أن الرجل ألح: « راه زعما اعزيزا عليك، ديرها في عنقك ماغادياش ثقّل عليك »، علقت مازحا « غادي يشوفوني بها يسحبوني غادي نختطف الطيارة »… أخذت الكوفية، ثم وجدت بعد مقامي ببلاد الروم، أن كثيرا من الشباب الإيطاليين يلتحفون مثلها، إنها موضة الشال، بل إن الكوفيات المصبوغة بالأبيض والأسود، تستهوي كثيرا من أنصار السيدة العجوز »اليوفي »، فريق مدينة تورينو.  تشاء الصدف أن أستقر ببلدة الفريق العالمي المذكور، الذي مارس في صفوفه الحارس دينو زوف، قائد المنتخب الإيطاليا الفائز بكأس العلم 1982، وتشاء الصدف أيضا أن تكون الابتسامة المرسومة على ليمونة مونديال إسبانيا، عالقة في ذهني، قرينة لمجزرة صبرا وشتيلا، ابتسامة ينطبق عليها حال العبارة المأثورة « ضحك كالبكاء ».

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة