إلى بنعلي:ألومك العجلة في الرحيل وعزائي أنهم سيندمون كثيرا لأنهم لم يستمعوا إليك

إلى بنعلي:ألومك العجلة في الرحيل وعزائي أنهم سيندمون كثيرا لأنهم لم يستمعوا إليك

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الثلاثاء 05 فبراير 2013 م على الساعة 7:57

كان عليك أن تظل بيننا قليلا… ليس لأننا ألفناك، بل فقط كي تكتب لنا ما لا يعجبنا قراءته…. تلك الصرخة المدوية التي تعري جبننا وحذقهم في جعل قوتنا أكثر مرارة… إذ لم يكن من الصواب أن تغادرنا ونحن على صهوة دابة عرجاء يمسك لجامها عميان لا يخبرون مدى وعورة الطرق التي يسلكونها بنا… هل حقا كانوا يقرؤونك؟ كي يجسوا غضبنا فيك، غضب محمول على خوف من الظلام وخوف على البلد… تمسك ناصية الحقيقة التي صنعوها بغطرستهم وجشعهم، كي تلوح بها سياطا على جلودنا ومقصلة في أفقهم… يتحدثون عن الريع، لتشهر في وجههم ريعهم، وتعرفه بلغة بسيطة كي نفهم أن كل الذي يحكمون رقابنا يفعلون ذلك عبر وضع الريع الذي يرفلون فيه، نفهم أن كل ثروة مقرونة بغياب فائض القيمة هي سم في مفاصل الوطن، رغم كل مظاهر التضامن الخادعة التي لا تليق سوى غطاء لهذا المص الشنيع لدمنا ودم البلاد… هل كنت على مشارف الجنون وأنت تصرخ وحيدا؟ أم على مشارف الموت الذي يتماهى والجنون؟ حين اكتشفت صمت القطيع، وذلك الاستعداد البهيمي لدى مثقفينا كي يبيعوا حتى أوراق التوت التي تغطي سوأتهم؟ حين صرخت متسائلا عن وجودهم، عن المكان وعن الزمن… كانوا هناك، تحت خاصرتك يسترقون السمع إلى نبض قلبك وهو يهن ويأملون توقفه كي يرثوك… أنا لا أرثيك هنا، فقط أمد صرختك خارج لحدك الذي خطفك مني ومن تعب الوطن… كم هو الحزن مر وثقيل، حين لا يفي بالقدرة على الرجوع إلى العشرين السنة التي خلت، لحظة جلوسي شابا طري العود وبأحلام أكبر من جمجمتي الكبيرة بدورها، في صفوف مدرجات كلية العلوم القانونية والاقتصادية بأكدال الرباط، لأستمع للأستاذ الإصلاحي المتحالف مع النظام اللاوطني اللاديمقراطي واللاشعبي، والمنتمي إلى البرجوازية الجديدة التي تحاول إضفاء المشروعية لذات النظام، والذي ستعصف بهما، الأستاذ والنظام، تلك الثورة الحالمة التي ستقودها طبقة العمال المتحالفة مع الفلاحين والفقراء… كان دروسك حول التنمية والتخلف، حول الاستعمار وبرامج التقويم الهيكلي، حول النظام الضريبي وتوزيع الدخول، بعض من مفاتيح العلم التي مكنتني من إعادة قراءة الثورة خارج كتب المركز الثقافي الروسي، الذي استبدل مجلداته بوجبات الماكدونالد، وقبعنا نحن في هذا الوطن، بدون ثورة لكن بأمل في إصلاح كبير… لم تكن لدي أسئلة أوجهها إليك، فقط فضول معرفي يجعلني أقتفي أثر الشك في كل ترتيباتك النظرية، تلك الغنة التي تنهي بها جملك القصيرة والنفاذة « ممممم » تحيرني، وتلك النظرة الماكرة الخاطئة، وأنت تتعمد أن تقفل عينيك اليسرى إلى نصفها،كمن يحاول التسديد، أو من لا يقتنع بتسديداته فيحاول أن يكون أكثر إصابة… كانت آخر تسديداتك، حين بلورة واقع هذا الوطن في جملتك الشهيرة  » ليس هناك وضوح في الفاعلين الاقتصاديين في هذا البلد، ليس هناك طبقة عاملة صافية، ولا برجوازية مرتبطة بقطاع الصناعة والخدمات الرأسمالية واضحة، هذا لا يعني أنه ليس هناك مُستَغِلين ومُسْتَغلين »… هل تشعر الآن أستاذي بالراحة؟ عليك أن تشعر بذلك ليس لأنك أديت رسالتك، فما أعتقد أنك فعلت، ولا زلت ألومك العجلة في الرحيل، لكنني أقدر أن استشرافك للآتي الأسود من أيامنا لن ينفع معه صراخك، وأن تنبيهاتك التي يقرؤونها ثم يضربون بها الحائط لم تعد تجدي نفعا في هذا البلد، لذا قررت الرحيل، كي لا تشهد الخراب الآتي والذي أنذرت به في كتاباتك… عزائي أنهم سيندمون كثيرا لأنهم لم يستمعوا إليك…. حيث لن ينفعهم الندم.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة