من الاتحاد الاوربي إلى الاتحاد المغاربي | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

من الاتحاد الاوربي إلى الاتحاد المغاربي

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 17 أكتوبر 2012 م على الساعة 22:49

        في الوقت الذي تجتاز فيه أوروبا امتحانا صعبا بسبب أزمة اقتصادية لا سابق لها، قررت لجنة نوبل أن تمنح الاتحاد الأوروبي أرفع جوائزها وهي جائزة نوبل للسلام. بعض الملاحظين رأوا في ذلك محاولة لرفع معنويات الاتحاد الأوروبي في الوقت الذي يواجه مشاكل اقتصادية خطيرة تهدد وجوده، وأن من شأن المبادرة أن تعزز ثقة الأوروبيين في أنفسهم للعمل من أجل مستقبل أفضل. في حين شكك البعض في جدية قرار لجنة نوبل، واعتبر أن « الفكرة جيدة والفائز سيء » كما كتبت الصحيفة الألمانية واسعة الانتشار دير شبيغل.         الحقيقة أنه لو مُنحت جائزة نوبل للاقتصاد في الظروف الراهنة للاتحاد الأوروبي، لكانت الفكرة سيئة حقاً، لأن التتويج في مجال الاقتصاد لا يليق بمن يتهدده الإفلاس، لكن منحه جائزة نوبل للسلام ليس بالأمر السيء أبدا. لو نظرنا إلى تاريخ أوروبا الحديث المثقل بالحروب والصراعات التي خلفت ملايين الضحايا لتملكنا العجب. فالحربان العالميتان الأولى والثانية وحدهما تسببتا لأوروبا في خسائر بشرية بعشرات الملايين وخسائر اقتصادية فادحة، وخلفت في نفوس الأوروبيين جراحا وعداوات تحتاج لأجيال كي يمكن تجاوز آثارها. رغم هذا سارع الأوروبيون إلى طي صفحة الماضي بسرعة مذهلة، واتفقوا على أن مصلحة شعوبهم ليست في الصراع والاقتتال، بل في الاتحاد والتعاون، هكذا انطلق قطار الوحدة الأوروبية في العام 1951 بمبادرة من ست دول أوروبية تتزعمها فرنسا وألمانيا، وتطور المشروع على مر السنين حتى صار اندماجا اقتصاديا رائدا في العالم، وانضمت إليه تدريجيا الدول الأوروبية حتى بلغت اليوم 27 دولة عضو في الاتحاد.         يجب الإقرار أنه على مدى ستين عاما نجح الاتحاد الأوروبي في تحقيق حلم مؤسسيه الأوائل بأن كرس السِلم والاستقرار في أوروبا حتى صارت الحروب والصراعات عند الشعوب الأوروبية مجرد ذكرى بعيدة. وهذا إنجاز جبار يُحسب للأوروبيين ويستحقون لذلك الفوز عن جدارة بجائزة نوبل للسلام. الإنجاز الآخر للوحدة الأوروبية في ظل الأمن والاستقرار هو تحقيق التقدم والرخاء الاقتصادي، وهو ما يجعل الاتحاد الأوروبي أكبر قوة اقتصادية في العالم…هذا لولا أن الأزمة الاقتصادية الراهنة لطخت الصورة حتى بات شبح الفشل يهدد الكيان الأوروبي بكامله. الحقيقة أن مسار الوحدة الأوروبية يحمل في طياته معادلة فريدة من نوعها. فالأوروبيون بعد أن أنهكتهم السياسة والصراعات، وضعوا كل ما يفرقهم على الهامش، واجتمعوا على تحقيق تعاون اقتصادي بينهم، فالهيئة الأولى التي تأسست كانت هي « السوق الأوروبية للفحم والصلب ». ومن حينه انخرطوا في حلقة إيجابية : بتطور الاقتصاد يتعزز التفاهم والسِلم والاستقرار، وبترسيخ الاستقرار يتقوى الاقتصاد، ثم توالى التأثير الإيجابي المتبادل بين الاقتصاد وبين الاستقرار، أو بصيغة أخرى بين الاقتصاد و بين السياسة، إلى أن بلغت الوحدة الأوروبية أوجها. هذه المقاربة في تأسيس الوحدة والتكامل مقاربة حكيمة، ولو أن عامل الاقتصاد الذي انطلقت به الوحدة الأوروبية قبل ستين سنة قد يكون هو السبب في انكسارها اليوم. إن كُتب للاتحاد الأوروبي أن ينهار، فلا يمكن حصر السبب في الاقتصاد، فلربما الأمر مرتبط بعوامل أكثر تعقيدا تجمع بين السياسة والثقافة والمرتكزات الفلسفية للمجتمعات الأوروبية.         مهما كان مصير أوروبا غداً فتجربتها درس لنا نحن شعوب المغرب العربي، تاريخ بلاد شمال إفريقيا بعيد كل البعد عن تاريخ أوروبا المطبوع بالحروب، صحيح أن هناك بعض التوتر، خصوصا بشأن قضية الصحراء، لكن لا يمكن مقارنة الأمر البتة بما عانته أوروبا من صراعات ومآسي . بل إن القواسم المشتركة في المغرب العربي كثيرة حتى إنه يصعب التمييز بين شعوب المنطقة. رغم ذلك، فقطار اتحاد المغرب العربي الذي انطلق بمراكش قبل 24 عاما، لم يراوح مكانه بعد! من المقرر أن تنعقد قبل نهاية العام قمة مغاربية، وهذه فرصة جديدة لتصحيح الوضع كي ينطلق بشكل جدي هذه المرة قطار اتحاد المغرب العربي. في ظل الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية التي تعرفها المنطقة، وبالنظر إلى الأزمات والتحولات العميقة التي يشهدها العالم، فالعمل على بناء اتحاد مغاربي ليس ترفا بل ضرورة ملحة وعاجلة. الأمر لا يحتاج إلى اجتهاد ولا إلى اختراع حل سحري، إنما علينا أن نفعل ما فعله الأوروبيون من قبل، بوضع أوجاع السياسة وأسباب التفرقة جانبا، والعمل من أجل تكامل اقتصادي. بالنظر إلى أن عوامل التاريخ ومعطيات الواقع أفضل لدول المغرب العربي اليوم من حال أوروبا بُعيد الحرب العالمية الثانية، فإنه ليس من المبالغة التطلع إلى أن يحقق اتحاد المغرب العربي في عشرين عاما ما حققه الإتحاد الأوروبي خلال ستين عاما، بشرط أن نثبت أننا استوعبنا الدرس كما استوعبه الأوروبيون بالأمس، وأننا نملك من الإرادة اليوم بالقدر الذي امتلكه الأوروبيون عندما أقدموا على أول خطوة على درب بناء وحدتهم.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة