مصر "الإخوان" على مفترق الطرق | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

مصر « الإخوان » على مفترق الطرق

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم السبت 01 ديسمبر 2012 م على الساعة 23:35

ما إن أصدر الرئيس المصري محمد مرسي « الإعلان الدستوري » الجديد حتى انتفض في وجهه الشارع المصري بالتظاهرات في مهد الثورة المصرية بميدان التحرير في القاهرة و في مدن مصرية أخرى، حتى أن بعض مقار حزب « الحرية والعدالة » تعرضت للحرق والتخريب. وبذلك تدخل مصر مرحلة جديدة من عدم الاستقرار يصعب التنبؤ بعواقبها، رغم أن البلد لم يتعافى بعد من آثار المرحلة السابقة. بقرار واحد منح الرئيس مرسي لنفسه الوصاية الكاملة على الدولة والثورة والشعب. بمقتضى « الإعلان الدستوري » جمع الرئيس بين السلطات الثلاث، وأعطى لقراراته الحصانة من كل طعن فيها أمام القضاء، وتجاوز السلطة القضائية بتنصيبه النائب العام دون أخذ رأي المجلس الأعلى للقضاء، بل والأخطر ما جاء في المادة السادسة: « لرئيس الجمهورية، إذا قام خطر يهدد ثورة 25 يناير أو حياة الأمة أو الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها، أن يتخذ الإجراءات والتدابير الواجبة لمواجهة هذا الخطر على النحو الذي ينظمه القانون ». المعارضة المصرية اعتبرت الإجراء الأخير نسخة معدلة من قانون الطوارئ السيئ الذكر، كما تجندت بكافة اتجاهاتها اليسارية والقومية والليبرالية لمواجهة قرارات مرسي. في الوقت الذي أدانت فيه المنظمة المصرية لحقوق الإنسان ما جاء به الإعلان وعبر عدد كبير من القضاة عن تمردهم واستقال مستشار رئيس الجمهورية…من الصعب وصف هؤلاء جميعا ومعهم المصريون الذين خرجوا للاحتجاج في الشارع بأنهم من « فلول » النظام السابق، أو أنهم غير حريصين على مصلحة مصر. لا شك أن الرئيس « الإخواني » كان يدرك جيدا أن قراراته يصعب قبولها، على الخصوص لشعب قدم تضحيات من أجل أن يتخلص من آثار العهد السابق، ويطمح بشوق إلى إرساء دعائم عهد جديد يحظى فيه بالحرية والعدالة الاجتماعية. حِرص الرئيس المصري على تمرير قراراته بأي ثمن جعله يقحم في نفس الإعلان قرارات من قبيل إعادة محاكمة رموز ومسؤولي النظام السابق المتهمين في قضايا القتل والاعتداء على المتظاهرين إبان الثورة، وكذا تخصيص معاشات استثنائية لأسر الضحايا والمصابين في أحداث الثورة. من الصعب، من حيث الشكل، أن يقبل أهل القانون المتمرسون الجمع في وثيقة قانونية واحدة بين مقتضيات تمس تنظيم السلطات العليا للدولة وإجراءات تتناول صرف معاشات وتعويضات. لكن كيف للقرار الذي غامر بالتعرض لمضمون وجوهر الدولة ومقوماتها أن يلتفت لشكليات القانون وتقاليده ! الأكيد أن الرغبة في استمالة الشارع وكسب تأييده أوحت للرئيس المصري بما أوحت إليه، خصوصا وأنه اغتنم فرصة الثناء الواسع ، من الداخل والخارج، إثر وساطته الناجحة بين الفلسطينيين وإسرائيل في موضوع غزة. مهما كان فيبدو أن المصريين لم يبلعوا الطعم، و »الخطة السرية » لحركة « الإخوان المسلمين » لم تنجح هذه المرة، وعليها أن تواجه غضب الشارع المصري الذي تطور وعيه السياسي وصار أكثر يقظة من ذي قبل. سعيا منه إلى تدارك الأمر وتخفيف حدة الاحتجاجات سارع الرئيس مرسي إلى إلقاء كلمة لجمهور مناصريه الذين التفوا حوله بجوار القصر الجمهوري. خطاب مرسي سعى إلى طمأنة المصريين بالقول « أنا لكم جميعا ولا يمكن أن أنحاز أبدا ضد أحد من أبناء وطني مصر »، وشدد على أن كل ما اتخذ من قرارات « إنما يستهدف به الحفاظ على الوطن والشعب والثورة ». لا شك أن من حق – بل من واجب – الرئيس المنتخب أن يتخذ قرارات قوية لتنتقل مصر إلى مرحلة جديدة تضمن الحريات والكرامة والتقدم لشعب مصر الكادح والصبور، وأول خطوة في هذا الدرب هو بناء مؤسسات وأنظمة الدولة المدنية الحديثة المتطلعة ٳلى المستقبل والحريصة على إرثها الحضاري والديني. غير أن ما جاء به « الإعلان الدستوري » يذهب بصلاحيات الرئيس لنطاق أكبر بكثير مما منحه إياه الناخبون في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بل ويثير مخاوف جدية من أن « الإخوان المسلمون » إنما ينفذون مخطط الاستيلاء على الدولة، بعد أن أفلحوا في « مصادرة » الثورة لصالحهم. المرحلة التي تجتازها مصر مرحلة انتقالية بالغة الصعوبة على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي تحتاج إلى الكثير من الحكمة والكفاءة والتبصر لتجاوز مكامن الخطر. أما أن يصدر الرئيس قرارات خطيرة يوم الخميس، ثم يذهب يوم الجمعة إلى المسجد ليدعو المصريين كي يستبشروا خيرا بالمستقبل و « يخبرهم » أن « فتح الله قريب »، فهذ هذا أمر غير جدي على إلاطلاق. « الٳعلان الدستوري » زعزع الثقة وأشعل نار الاحتجاجات في أطراف مصر، فعاد البلد بين ليلة وضحاها إلى ما كان عليه من توتر واضطرابات. فمن يطفئ نار الفتنة بعد الذي حدث؟ ما يأمله كل غيور على مصر هو أن ينجح المصريون أولا في تلافي أخطار الفتنة المحدقة، وتثبيت الأمن والاستقرار. وأن يتفقوا على منهجية سياسية لبناء دولة المؤسسات التي تضمن الحريات والتعددية و تحقق العدالة الاجتماعية والتنمية، بعيدا عن محاولة أي جهة كانت في الهيمنة والاستئثار. حرام أن تراق مزيد من الدماء في مصر، حرام التسبب للمصريين في مزيد من المعاناة، حرام تخريب الاقتصاد المصري…حرام الإساءة لحاضر مصر ومستقبلها، كما هو حرام الإساءة لتاريخ مصر العريق.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة