حين يُبعث الحسن الثاني ثقافياً | فبراير.كوم | موقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة

حين يُبعث الحسن الثاني ثقافياً

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الخميس 29 نوفمبر 2012 م على الساعة 14:19

لا أعرف علال  سيناصر إلا مما علق في الذاكرة من كونه كان وزيرا للثقافة على أيام المرحوم الحسن الثاني، وكونه اختير مستشارا ملكيا فيما ما بعد نهاية مهامه على رأس هذه الوزارة… على خلاف وزراء آخرين، طبعوا المشهد الثقافي بشكل شخصي عبر أعمالهم الأدبية كالأشعري وبنسالم حميش، أو حضورهم الفني كما هو الحال بالنسبة لثريا جبران أو حتى حضورهم السياسي وأقصد هنا حالة محمد بنعيسى… حين أنظر بعين المتذكر، يبدو لي مرور سيناصر باهتا وغير ذي وجود قوي في هذا التاريخ، الذي يبقى غير حافل على كل حال… شد انتباهي تناول وسائل الإعلام المكتوبة خاصة لخبر إصداره لكتابه الجديد « نظرات في تدبير الشأن الثقافي بالمغرب ». وهو الكتاب الذي يزعمون أنه رصدٌ لتجربة الرجل على رأس الوزارة ما بين سنة 1992 و1995، والتي من الممكن أن تكون ذات دلالة، لو أنها شكلت لحظة  تحول في المشهد الثقافي، بما يجعلنا ننعم الآن، بواقع ثقافي يليق بأحلامنا وتطلعاتنا… وحيث أن الأمر غير ذلك، فقد شد انتباهي هذا الزعيق الإعلامي حول الكتاب، إذ عدا المقالات المدبجة هنا وهناك، تم تنظيم حفل توقيع من طرف إدارة مسرح محمد الخامس، وإشارات إعلامية هنا وهناك… آخر هذه الإشارات، كان استضافة الإعلامي والشاعر ياسين عدنان للأستاذ علال سيناصر في برنامجه مشارف. والحقيقة أنني استبشرت بهذه الاستضافة. حيث اعتبرتها فرصة ممتازة لكشف سبب كل هذه الحلة، وأيضا مناسبة للاستماع للرجل وهو يدلي بدلوه في قضايا المشهد الثقافي ومشاكله، ويخبرنا بالصوت والصورة عن نظراته في تدبير الشأن الثقافي… لكن هذه الاستضافة وعوض أن تجيب عن أسئلتي جعلتني أخرج من مشاهدتها بأخرى جديدة إضافية: –    هل الرجل بالفعل يواكب المرحلة، في شقها الثقافي فقط، حتى لا نطالبه بما هو غير ملزم به؟ فمع كل سؤال للصحفي ياسين عدنان، الذي يبدو أنه تجشم عناء قراءة الكتاب ونخله بشكل جيد – ولا يسعنا هنا سوى أن نقول له « باز ليك أسيدي »- حول موقفه من قضية ثقافية راهنة، يصده المفكر متذرعا بأنْ لا علم له بما آلت إليه الأمور بعده، وأنه لا يمكنه أن يدلي بدلوه في تلك المواضيع… فعن أي نظرات يتحدث الكتاب؟ وأي رؤى يبشرنا بها صاحبه في هذا الواقع الثقافي الموبوء؟ –     وصونا لمكانته العلمية التي تعرفت عليها من خلال تقديم ياسين عدنان له وأيضا عبر البحث عن اسمه في محرك البحث « غوغل »، فالرجل كان رئيسا لقسم الفلسفة باليونسكو قبل استوزاره، وهوعضو إلى الآن في أكاديمية المملكة المغربية (الأكاديمية النائمة التي لم نعد نسمع عنها أي خبر في السنوات الأخيرة)، وعضو مراسل في معهد مصر، وعضو مراسل في أكاديمية المملكة البلجيكية، وعضو سابق في مكتب الاتحاد الدولي للأكاديميات، عدا بحوثه الكثيرة حول الابستيمولوجيا والثقافة العربية وغيرها. هذه المعطيات جعلتني أطرح أيضا فرضية أن يكون الضعف الذي ظهر على أداء الرجل في مشارف بسبب فشله في التعامل مع التلفزيون، وهو ما لا ينجح فيه أي كان. ونستحضر هنا المرور الباهت للمفكر المغربي عبدالله العروي في برنامج حواري كانت تشرف عليه الصحفية مليكة ملاك، طبعا مع بيان الفارق… –    الفرضية الثالثة، هي ارتباط بعض النخب المثقفة بدواليب الدولة، وفقدانهم بسبب ذلك لتلك الاستقلالية والبناء الشخصي في علاقتهم بمشغليهم وبإنتاجهم الفكري… إذ يبدوا أن آلة التدجين في المشور السعيد، وخاصة رفقة ملك بشخصية قوية مثل المرحوم الحسن الثاني، محت بشكل كلي وجود الرجل المستقل، وأصبح وجوده الفكري مرتبط بقانون الاستشارات والتراخيص التي ألفها في العقد الأخير من القرن الماضي، وهي آليات لم تعد تشتغل، على الأقل في شكلها التقليدي، الآن… مما وضع المفكر في حالة شرود، لم يخلصه منها سوى لاءاته المتكررة وامتناعه عن الجواب في أكثر من مناسبة خصوصا وأن أسئلة مقدم البرنامج كانت واضحة ودقيقة وحاولت أن تمخر بعمق عباب الشأن الثقافي الراهن… وحتى حين اصاب الصحفي اليأس من ضيفه، وفهم أنه لا مجال لاستشراف أية آفاق للعمل الثقافي معه، قرر في نهاية البرنامج أن يتوقف معه في الماضي محاولا جره للحديث عن منجزاته خلال فترة تحمله المسؤولية (ما بين 92 و95)، لم يقدم الوزير السابق سوى عملية الكنس التي باشرها في الخزانة الوطنية، وإعادة ترتيبه للمخطوطات، وهو ما يعتبره فتحا مبينا في حقل الثقافة… كل هذه الفرضيات توجهنا للسؤال المستعصي: لماذا الآن؟ لماذا أصدر علال سيناصر كتابا يتحدث عن تجربة تعود الى بداية التسعينات في 2012؟ وهل يحتاج كتاب كل ما يضم بين دفتيه حفنة من التقارير والخطب والخطط المنجزة سابقا عقدين من الزمن لإنجازه ونشره؟ أم أن في الأمر ترتيب آخر، يبتغي ضرورة إخراج بعض الوجوه من صناديقها وإعادة تلميعها إعلاميا، كي تسوَّق لنا كرائدة لتدبير الشأن الثقافي في هذه البلاد؟ لا نملك جوابا، وليس لنا سوى الدعاء: كل تنزيل ديمقراطي للدستور ومعشر المثقفين بألف خير.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة