وزير "تقدمي" وقطاع صحي "متخلف"

وزير « تقدمي » وقطاع صحي « متخلف »

  • مـــــريــــة   مــــكريـــم
  • كتب يوم الأربعاء 05 ديسمبر 2012 م على الساعة 20:29

منذ تعيينه في الحكومة الحالية، تميز وزير الصحة الحسين الوردي بحيوية غير معهودة لدى أغلب الوزراء، خصوصا من سابقيه الذين كان أغلبهم « يحلون » مشاكل الصحة المزمنة بتركها . منذ بداية عهده في الوزارة والوزير الجديد لا يكل من ترديد عزمه على محاربة الفساد في قطاع الصحة، ومن زيارة المستشفيات والمراكز الصحية في أطراف المغرب للاطلاع على واقع الخدمات، ومن اتخاذ إجراءات وتدابير لتصحيح الأوضاع. في سابقة محمودة – ولو من حيث الشكل – قدم الوزير حصيلة لما أنجزه خلال ستة أشهر، وعدّد التدابير الاستعجالية التي أنجزت بنسبة 77% حسب الأرقام المقدمة. الوزير « التقدمي » يتميز أيضا بحسه التواصلي، فهو يتفاعل مع وسائل الإعلام، ويطلع الرأي العام على أفكاره وهمومه وخططه وقراراته. هذا أسلوب جديد في العمل الحكومي يستحق التشجيع والتنويه. في خضم مباشرته لمسؤولياته، اكتشف وزير الصحة الكثير من مظاهر التردي والإهمال في تدبير مجال الصحة. من الخلل في تدبير الصفقات العمومية، إلى تردي الخدمات الصحية في المستشفيات، ٳلى النقص في الأطباء والممرضين، ٳلى ٳهمال بعض الأطباء لمسؤولياتهم في المستشفيات العمومية والعمل في القطاع الخاص، ٳلى اكتشاف أن وزارة الصحة تخزن أدوية فاسدة في مستودعاتها (حالة برشيد)، واللائحة طويلة. ٳزاء هذا الواقع السيئ تُطرح على الوزير قضية جوهرية، هي قضية اختيار المنهجية في التعامل مع الأمر. حسب تقديري المتواضع هناك ثلاث احتمالات في هذا الباب. الطريقة الأولى هي فعل « لاشيء » وترك الأمور تسوء حتى بلغ واقع الصحة في المغرب ما هو عليه اليوم. الحل الثاني هو ممارسة سياسة « رد الفعل »، أي أنه بفعل « الغضب » من وقائع معينة، يتخذ الوزير ٳجراءات وقرارات معينة، وهو المنهج الذي أخال أن وزير الصحة (ووزراء آخرين، كل في ما يخصه!) لجأ ٳليه. سياسة « رد الفعل » وترتيب قرارات واحدا بعد الآخر هي سياسة محدودة الأثر، ولو أن بعض الإجراءات قد تكون ٳيجابية وصائبة. محدودية هذه المنهجية في التدبير تكمن في أن أي قرار يمكن ٳبطاله بقرار آخر. مثلا في مواجهة ٳسراف بعض الأطباء في ٳهمال مهامهم في المستشفيات العمومية للعمل في القطاع الخاص، هل يجدي أو يكفي أن يصدر الوزير قرارا بالمنع دون سابق ٳنذار؟ لا يمكن معالجة الأمور بطريقة تجزيئية دون تصور شامل وخطة محكمة تتناول كل الأبعاد في قطاع الصحة. لا يمكن الاعتماد على قراءة جافة للقانون واستبعاد التدرج في التغيير حتى ولو ترتب عن ذلك ضرر مؤكد. كيف ستقدم مصحة خاصة خدماتها للمرضى في مدينة نائية (وأغلب مدننا « نائية » بشكل من الأشكال) وهي لا تملك بديلا عن اللجوء لأطباء القطاع العام؟ كيف المجازفة بدفع أساتذة الطب ٳلى الاستقالة وحرمان الطلبة في كليات الطب من التكوين والتأطير؟ مهما كان، فقد يأتي وزير آخر، أو حتى مسؤول أقل من الوزير، فيبطل قرار الوزير الحالي بقرار آخر، أو بِقرار غير مكتوب يقضي بإهمال قرار المنع وعودة الأمور لما كانت عليه. فلدى الإدارة المغربية رصيد واسع من السوابق في هذا الأمر. يبقى الحل الثالث، وهو الحل الوحيد لتحقيق تقدم حاسم في معالجة مشاكل قطاع الصحة المريض. هذا الحل يتطلب سعة في الأفق، وحكمة في النظر ٳلى الواقع، ومنهجا محكما في معالجة الأمور. يدرك الوزير – وهو أستاذ وطبيب محترم – أن ما رأى من عيوب ونواقص ومشاكل في قطاع الصحة ما هي ٳلا أعراض (ٳذا استعنا بالقاموس الطبي)، أعراض تكشف عن علل عميقة. ٳذا كان الطبيب المقتدر لا ينشغل بالأعراض بل يهتم بعلاج الأسباب الحقيقية للمرض، فالوزير المقتدر يتجاوز الوقوف كثيرا عند العيوب الظاهرة لقطاع الصحة، ليباشر الإصلاحات الكبرى التي لو تحققت لاختفت معها كل المظاهر السيئة التي تشغل باله اليوم ومعه الرأي العام. ليس من حل آخر غير وضع « استراتيجية » شاملة وتنفيذها بعزم. الاستراتيجية هي أولا تحديد أهداف ملموسة لتحقيقها. الاستراتيجية هي، ثانيا، تشخيص دقيق للوضع يسمح بالإحاطة بكافة المعطيات (ٳدارية، قانونية، مالية، تقنية، بشرية، اجتماعية…)، وٳدراك حجم الإمكانيات المتاحة، والتعرف على نقاط القوة والضعف. الاستراتيجية هي، ثالثا، وبعد تقييم سليم للوضع، تحديد خطة شاملة تقدم حلولا علمية وعملية. الاستراتيجية هي، رابعا، تنفيذ الخطة المرسومة بصرامة وثبات لغاية بلوغ الأهداف المحددة سلفا. النجاح في هذه المقاربة رهين بالاستعانة بكفاءات متنوعة التخصصات لأجل تحقيق تشخيص دقيق، من وزارة الصحة نفسها، من المجلس الأعلى للحسابات، ومن وزارة المالية، ومن هيئات عمومية وخاصة. كما أن وضع استراتيجية للنهوض بالصحة يقتضي تكوين لجنة محدودة العدد من كفاءات ذات مرجعيات مختلفة، مع تحقيق استشارة واسعة للظفر بأفضل الأفكار وأنجع الحلول. في هذه النقطة بالذات قدم بلد صغير هو أيسلندا نموذجا فريدا من نوعه. في أواخر شهر أكتوبر صادق الأيسلنديون في استفتاء عام على دستور جديد. العجيب في الأمر أن الدستور (وهو أسمى قانون في أي بلد) أنجزته في أيسلندا لجنة ذات تركيبة خاصة وأفق أوسع من المعتاد ضمت 25 فردا ينتمون ٳلى « المجتمع المدني ». منهم الأستاذ الجامعي، والمحامي، والفلاح والعامل والطالب… اللجنة ابتدعت تجربة جديدة لضمان استشارة واسعة، ٳذ وظفت الانترنت للتفاعل مع المواطنين والتعرف على آرائهم، وأيضا تلقي تعليقاتهم ومقترحاتهم على بنود الدستور التي عُرضت على الجمهور تباعا، دون أن تنتظر اللجنة ٳنهاء أشغالها. الدستور الجديد لقي تنويه خبراء السياسة والقانون ونال ثقة الشعب بأغلبية واسعة. أمر آخر « غريب » في هذه التجربة أن أعضاء اللجنة تم انتخابهم من قبل المواطنين. ما جعل خبراء يصفون التجربة الأيسلندية بأنها تمثل لحظة ميلاد « ديموقراطية المستقبل ». هنيئا لذلك البلد الصغير الذي يعطي للكبار دروسا في السياسة والديموقراطية والتدبير والشورى…أما نحن فكل ما نطمح ٳليه هو أن نجد في المغرب صدى لمثل هذه التجارب، في تدبير قطاع الصحة وفي غيره كثير.

أكتب تعليقك

مواضيع ذات صلة